الرياض – لم تحتج السعودية إلى وقت طويل لحشد موقف عربي وإسلامي واسع بعد إعلانها إحباط محاولة جماعة الحوثي استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة. فقد توالت الإدانات من عواصم عربية ومؤسسات إقليمية ودينية، في موقف بدا أوسع من الاصطفافات السياسية المعتادة المرتبطة بالحرب في اليمن، ووضع أمن المدينة المقدسة والحرمين الشريفين في صدارة الاهتمام.
وأعلنت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن أن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمر الطائرة المسيّرة قبل دخولها المجال الجوي لمكة، في حادثة قالت الرياض إنها تمثل تكرارا لمحاولة سابقة لاستهداف المدينة في يوليو 2017.
وتحولت الواقعة سريعا إلى قضية تتجاوز البعد العسكري، بعدما ربطت بيانات عربية عدة بين حماية مكة وأمن السعودية، معتبرة أن استهداف المدينة المقدسة يمس مشاعر المسلمين ويشكل تصعيدا يتجاوز حدود المواجهة في اليمن.
كان لافتا اتساع دائرة المواقف المساندة للسعودية. فقد أعلنت الحكومة اليمنية تضامنها مع المملكة ودعم حقها في حماية سيادتها والمقدسات الإسلامية، داعية إلى موقف عربي وإسلامي ودولي حازم تجاه الحوثيين ووقف إمدادات السلاح عن الجماعة.
وفي الأردن، أكدت وزارة الخارجية التضامن مع السعودية والوقوف إلى جانبها في الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، ووصفت محاولة استهداف مكة بأنها انتهاك لسيادة المملكة ومكانة المدينة المقدسة.
أما قطر، فركزت في إدانتها على البعد الديني والإنساني، معتبرة أن محاولة المساس بحرمة مكة تمثل تجاوزا للخطوط الدينية والأخلاقية والإنسانية، وشددت على أن الأماكن المقدسة لا ينبغي أن تكون موضع استهداف أو تهديد أو توظيف في النزاعات.
وامتد التضامن إلى فلسطين، حيث أكدت الرئاسة الفلسطينية وقوفها إلى جانب السعودية في مواجهة ما يهدد أمنها وسيادتها واستقرارها، معتبرة أن استهداف مكة يمثل انتهاكا لحرمة المقدسات الإسلامية وتهديدا لأمن المملكة وسلامة ضيوف الرحمن.
في مصر، اتخذ الموقف بعدا سياسيا يتجاوز إدانة الحادثة، إذ أكدت وزارة الخارجية رفضها الكامل لأي أفعال تهدد أمن المملكة، وربطت أمن السعودية بالأمن القومي العربي وبالأمن القومي المصري.
ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل اتساع دائرة التوترات الإقليمية، إذ تعكس صياغته النظر إلى أمن المملكة باعتباره عنصرا مرتبطا بالاستقرار العربي، وليس ملفا سعوديا منفردا.
كما دخل الأزهر على خط المواقف الرافضة لمحاولة استهداف مكة، مؤكدا أن أمن الحرمين الشريفين ليس شأنا سياسيا أو إقليميا، وإنما قضية تمس المسلمين كافة، داعيا إلى صيانة حرمة البلد الحرام بعيدا عن حسابات الصراع والسياسة.
الخلافات السياسية حول الحرب اليمنية يمكن أن تتعدد، لكن أمن مكة والمقدسات يشكل نقطة تقاطع واسعة حول السعودية
وفي منطقة الخليج، جاءت المواقف متقاربة في مضمونها. فقد أدانت الإمارات والبحرين والكويت وقطر محاولة استهداف مكة، بينما أكد مجلس التعاون الخليجي أن أمن السعودية ومكانة المقدسات يمثلان قضية تتطلب موقفا واضحا.
وأعربت الإمارات عن تضامنها الكامل مع السعودية ودعمها في كل ما من شأنه حفظ أمنها واستقرارها، فيما شددت الكويت على أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الكويت ودول مجلس التعاون.
أما البحرين فربطت محاولة استهداف مكة بالهجوم الذي وقع عام 2017، واعتبرت الواقعة دليلا، من وجهة نظرها، على استمرار استهداف المقدسات في خطاب الحوثيين وممارساتهم.
وقال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إن محاولة استهداف مكة تمثل تصعيدا بالغ الخطورة، داعيا إلى موقف دولي حازم، بينما حذرت جامعة الدول العربية من أن استمرار هجمات الحوثيين يفاقم التوتر الإقليمي ويهدد أمن واستقرار المنطقة.
ولم يقتصر التضامن على الدول الخليجية أو العربية القريبة من السعودية. فقد أدانت الجزائر محاولة استهداف مكة وأكدت وقوفها إلى جانب المملكة في حماية المقدسات والأراضي السعودية، داعية إلى وقف الهجمات والتصعيد في المنطقة.
كما أدانت ليبيا والسودان محاولة استهداف المدينة المقدسة، وشدد البلدان على ضرورة احترام حرمة الأماكن المقدسة وتجنيبها تداعيات الصراعات الإقليمية. وانضمت سوريا ولبنان والصومال إلى المواقف الرافضة للحادثة، مع تأكيدات مختلفة على التضامن مع السعودية وحماية مكة وضيوف الرحمن.
ويشير هذا الاتساع إلى أن محاولة استهداف مكة أحدثت مساحة من التوافق العربي والإسلامي تتجاوز المواقف المختلفة من الحرب اليمنية أو من سياسات السعودية الإقليمية. فحين يتعلق الأمر بأمن مكة والمقدسات، تبدو الأولوية في البيانات الصادرة هي حماية المدينة المقدسة ومنع تحويلها إلى ساحة للصراع.
وتأتي محاولة استهداف مكة في وقت يشهد فيه اليمن تصعيدا عسكريا متسارعا، خصوصا في الساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب، بالتزامن مع مواجهات في مأرب والضالع والبيضاء وغارات جوية على مواقع وتحركات الحوثيين.
لكن إدخال مكة في نطاق هذا التصعيد يغير طبيعة الرسائل التي تنتجها الحرب. فالمواجهة لم تعد تُقرأ فقط من زاوية السيطرة على الجبهات أو طرق الملاحة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بحدود يمكن أن تثير ردة فعل عربية وإسلامية واسعة.
وتقول السعودية إن محاولة الاستهداف تمثل تكرارا لهجمات سابقة، وتدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم تجاه استهداف الأعيان المدنية وتهديد أمن المملكة وحرية الملاحة. كما تؤكد حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين وضيوف الرحمن وأراضيها.
وبذلك تكشف ردود الفعل العربية والإسلامية عن معادلة واضحة: الخلافات السياسية حول الحرب اليمنية يمكن أن تتعدد، لكن أمن مكة والمقدسات يشكل نقطة تقاطع واسعة حول السعودية. وتبقى الخطوة التالية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع انتقال التصعيد إلى أهداف أكثر حساسية، بما يحول دون اتساع دائرة المواجهة في المنطقة.
