لماذا يتجه أفضل وألمع العقول الإيرانية في رحلة طويلة نحو الصين؟
يتزايد توجه الشباب الإيرانيين إلى الخارج للدراسة بسبب الحرب وارتفاع الأسعار والتضخم، ولا يعودون إلى الوطن.
طهران- في عالم مختلف، وقبل وقت ليس ببعيد، كان من الممكن أن تكون “شيما” -وهي طالبة طب إيرانية- تتدرب في مكان ما في الغرب.
لقد نجحت بالفعل في السفر إلى الخارج، مبتعدة عن الحرب مع أميركا وقنابلها وعقوباتها والفقر؛ لكن بدلاً من كندا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا، فهي تعيش وتعمل في العاصمة الصينية بكين. وتقول إن استبدال نظام قمعي بآخر ربما ليس الخيار الأمثل، لكنها على الأقل حققت هدفها جزئياً.
وقالت “هاجرتُ بسبب الحرب وارتفاع الأسعار والتضخم، ولأنني لم أكن أرغب في متابعة سعر صرف الدولار كل يوم”.
دأب الشباب الإيرانيون على مغادرة إيران للدراسة منذ سنوات، ولم يعد الكثير منهم. وقال بهرام سالافاتي، الرئيس السابق لمرصد الهجرة الإيراني، إن أعداد المغادرين تضاعفت من حوالي 60 ألفاً سنوياً في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (2010-2019) إلى 120 ألفاً في عام 2025. وأضاف “واحد في المئة فقط عادوا إلى إيران”.
ولكن مع اشتداد وطأة العقوبات التي فرضها الرئيس ترامب وتزايد عزلة إيران، أصبحت “شيما” واحدة من أعداد متزايدة تتجه نحو الصين، حيث لا يزال الإيرانيون موضع ترحيب؛ بل إنهم يحظون بترحيب يفوق المعتاد.
يقود الرئيس شي مبادرة كبرى للانفتاح على ما يُعرف بـ “الجنوب العالمي”، ولا سيما الحلفاء الاستراتيجيين مثل إيران، التي تشاركها عضوية كل من “منظمة شنغهاي للتعاون” ومجموعة دول “بريكس”، وهي تكتلات أُنشئت لتكون نظيراً للتكتلات الغربية.
تستفيد النخب الشابة القادمة من دول تعاني من الفقر -وهو الحال الذي آلت إليه إيران بالتأكيد- من هذه الفرص؛ إذ يتم تغطية تكاليف الرسوم الدراسية والسكن لـ”شيما”، كما أنها تتلقى راتباً شهرياً قدره 2500 يوان (أي ما يعادل 270 جنيهاً إسترلينياً). وتقول “شيما” إنها كانت قد عقدت العزم على مغادرة إيران عقب المواجهة الأولى التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي، وبدأت حينها على الفور في تعلم اللغة الصينية (الماندرين).
حتى شهر أغسطس، كانت وزارة الخزانة الأميركية تمنح تصريحاً يُعرف باسم “الرخصة العامة G”، والذي كان يعفي بعض برامج التبادل الأكاديمي والخدمات التعليمية المرتبطة بإيران من العقوبات؛ إلا أن هذا الإعفاء أُلغي على وجه السرعة. ونتيجة لذلك، أوقفت مؤسسة “خدمات الاختبارات التعليمية”-وهي أكبر منظمة خاصة في العالم لاختبارات وتقييم التعليم، وتأسست عام 1947 ومقرها الولايات المتحدة- إجراء الامتحانات داخل إيران.
وقد أدى ذلك إلى إلغاء اختبار اللغة القياسي للطلاب الأجانب، المعروف باسم “اختبار اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية”، وكذلك إلغاء “اختبارات سجل الخريجين” المطلوبة عالمياً للقبول في العديد من برامج الدراسات العليا والمدارس المهنية. وتصرح مؤسسة بأنه لا يوجد “جدول زمني مؤكد” لاستئناف إجراء الاختبارات في إيران.
لقد أجهضت هذه الخطوة الأميركية خطط آلاف الطلاب الإيرانيين الذين لجأوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للشكوى من ضياع أشهر من وقتهم، وتعليق الرحلات الجوية، والتكاليف الباهظة لمحاولة الوصول إلى مراكز الاختبار في الخارج. ويقول “حميد”، وهو مهندس ميكانيكي يبلغ من العمر 38 عاماً من طهران، إنه كان قد حصل على مقعد دراسي في جامعة بمدينة كارلسروه الألمانية لمتابعة دراسة الماجستير في إدارة المشاريع والخدمات اللوجستية.
غير أن تعليق خدمات التأشيرات الألمانية حال دون تقديمه للطلب، في حين زادت حالة عدم اليقين بشأن اختبارات اللغة من تعقيد خططه. ويقول “لقد ضاع هذا العام مني؛ فقد أتممت عامي الثامن والثلاثين قبل شهرين، وأشعر وكأن الوقت المتاح أمامي للهجرة بدأ ينفد”. قال عرفان، وهو أخصائي تغذية يبلغ من العمر 31 عاماً وينحدر من مدينة كرمان، إنه كان قد فقد الأمل في السفر للدراسة في الخارج، لكنه أشار إلى أن أصدقاءً له يتقدمون حالياً بطلبات للدراسة في كل من الصين وروسيا؛ وهي دولة أخرى ذات نظام حكم سلطوي وقفت إلى جانب إيران خلال الحرب. وأوضح عرفان أن الصين تكتسب شعبية متزايدة لأن “المنح الدراسية فيها جيدة، والتكاليف أقل، وإجراءات القبول تتم بسرعة أكبر”.
وبمجرد وصولهم إلى الصين، يستخدم الطلاب الإيرانيون قنوات التواصل الاجتماعي ذاتها للاحتفاء بالسرعة التي تمكنوا بها من الهجرة؛ إذ ذكر أحدهم أن تأشيرته الدراسية صدرت في غضون يومين فقط، بينما أشار آخر إلى أن الجامعات الصينية تتبنى نهجاً أكثر مرونة وعملية فيما يتعلق بمتطلبات اللغة، وغالباً ما تساعد المتقدمين في إيجاد مسارات بديلة.
انتقلت مريم إلى الصين في عام 2024 وهي تقيم حالياً في مدينة شيان. وقد أمضت عامها الأول في تعلم اللغة الصينية (الماندرين) قبل أن تجتاز امتحان القبول المخصص للطلاب الدوليين وتحصل على منحة دراسية كاملة لدراسة التجارة الدولية في جامعة “شيان جياوتونغ”.
بدأت تفكر في الصين بعد أن انتقل أحد أقاربها إلى هناك للدراسة وتحدث بإيجابية عن تجربته. ومع ذلك، أشارت إلى أن الدراسة هناك ليست مثالية؛ إذ لا يزال الطلاب الإيرانيون يواجهون قيوداً تتعلق بفتح حسابات مصرفية والعثور على عمل لزيادة دخلهم. كما ذكرت مريم أن الرقابة على الإنترنت في الصين كانت أشد وطأة مما واجهته في إيران.
لكن الطلاب الإيرانيين يلمسون أيضاً وبشكل مباشر مدى سرعة لحاق التعليم العلمي الصيني بأفضل المستويات العالمية. وقال حامد وفائي، الأستاذ في قسم اللغة الصينية بجامعة طهران “تُصنَّف العديد من الجامعات الصينية – بما في ذلك جامعتي بكين وتسينغهوا اللتين درست فيهما – ضمن أفضل المؤسسات التعليمية في العالم”.
وأضاف أن التمويل الصيني للأبحاث قد اجتذب أكاديميين من جميع أنحاء العالم، مشيراً إلى أن “إيران وطلابها وباحثيها يشكلون بطبيعة الحال جزءاً من هذا التوجه”.
ولا تُعد الصين الوجهة الجديدة الوحيدة للإيرانيين؛ فقد استقبلت تركيا ما يقرب من 30 ألف طالب إيراني في عام 2024 – بزيادة قدرها 158 في المئة مقارنة بعام 2020 – وذلك بفضل القرب الجغرافي، والتقارب الثقافي، وسهولة إجراءات الإقامة. كما ارتفع عدد الطلاب الدارسين في روسيا بنسبة 75 في المئة.
ويبقى أن نرى مدى تأثير ذلك على التوجهات المؤيدة للغرب التي يتبناها عادةً الإيرانيون المتعلمون ذوو الميول الليبرالية. فقد صرحت كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة عن ملف العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية، بأن القيود الأميركية الفعلية المفروضة على الطلاب الإيرانيين تنطوي على خطر تأجيج مشاعر العداء للولايات المتحدة لدى جيل جديد يميل بطبيعته إلى معارضة نظام الجمهورية الإسلامية. وقالت “من الصعب حقاً إدراك كيف يمكن أن تفوق فوائد هذا الأمر سلبياته بالنسبة للشعب الإيراني”.
وقد طالت هذه القيود أيضاً الإيرانيين المقيمين بالفعل في الخارج. فدينا، وهي محامية تبلغ من العمر 28 عاماً وتقيم في تورنتو، كانت تخطط لإجراء اختبار “بيرسون” للغة الإنجليزية (Pearson Test of English) لتقديمه ضمن طلبات الالتحاق بالجامعة أو طلبات الهجرة. وأوضحت دينا أن نظام الاختبار التابع لشركة “بيرسون” – الذي يعتمد على بيانات جواز السفر – قد ألغى موعد امتحانها تلقائياً.
وقالت “لقد غادرت إيران وجئت إلى كندا لبناء حياة أفضل، لكن كوني إيرانية لا يزال يجعل حياتي محفوفة بعدم اليقين ويحرمني من الفرص”. إعلان
حذّر ماتين ميراميزاني، وهو مدير في “مشروع إيران 2040” بجامعة ستانفورد، من التداعيات المحتملة على النفوذ الأمريكي، قائلاً “قد تلحق هذه القيود ضرراً ملموساً بالقوة الناعمة للولايات المتحدة؛ فتعليق التصريح التعليمي يقلب موازين مستقبل الشباب الإيرانيين، في حين يبدو أن لذلك تأثيراً ضئيلاً على النظام الذي تعارضه الغالبية العظمى منهم”.
ومن وجهة نظر أمريكية، ينطوي هذا الأمر على خطر تعزيز مصداقية الرئيس شي جين بينغ في دول “الجنوب العالمي”؛ إذ تقدم الصين بالفعل شريان حياة لطهران من خلال شراء معظم إنتاجها النفطي. وفي هذا السياق، أشار فارزين نديمي، وهو محلل متخصص في شؤون الدفاع والأمن مقيم في واشنطن، إلى أن مشتريات إيران من الصادرات الصينية ذات “الاستخدام المزدوج” -أي المدني والعسكري- كانت واسعة النطاق ومن المرجح أنها قد ازدادت، لا سيما مع توفر مسارات سهلة للنقل عبر السكك الحديدية أو عبر بحر قزوين. وأضاف نديمي: “ربما تكون الصين قد زودت إيران أيضاً بكميات محدودة من الأسلحة والخبرات الفنية، بما في ذلك أنظمة مضادة للسفن، كما استفادت إيران من خدمات الأقمار الصناعية التجارية الصينية”.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الرئيس شي يُعدّ داعماً مطلقاً للنظام الإيراني؛ فقد شهدت العلاقات بين الطرفين خلافات متكررة -وإن كانت تتم بهدوء- على المستويات العليا، فالصين لا تحبذ التوجهات السياسية الإسلاموية بشكل عام. ويقول أندريا جيلي، المحاضر في كلية العلاقات الدولية بجامعة سانت أندروز: “لطالما فضلت الصين الاستقرار وسعت إليه، في حين تُعد إيران مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط”.
لكن بالنسبة للإيرانيين العاديين -حتى أولئك الذين لم يفكروا يوماً في مغادرة البلاد- كانت فرصة الدراسة في الصين أمراً لا يمكن تفويته. وتقول مريم “كان اختيار الصين أفضل قرار اتخذته في حياتي؛ فلا يوجد هناك تضخم كالذي نعاني منه في إيران، كما أن قيمة العملة لا تنخفض يوماً بعد يوم”.