منذ أفلاطون إلى اليوم.. ألفان وخمسمئة عام من النقد
غوليماري ترسم مسار النقد الأدبي من الفلسفة اليونانية إلى ما بعد الاستعمار
غوليماري تخوض في هذا الكتاب مغامرة شاقة لتتبع تشكّل النقد الأدبي منذ أفلاطون وصولًا إلى النظريات النقدية المعاصرة
منذ أفلاطون والنقد يواصل مهامه
نبيل مملوك
على الرغم من الأهمية التاريخية والنقدية لكتاب «النقد الأدبي ونظرياته: من أفلاطون حتى ما بعد الاستعمار» للباحثة اليونانية البريطانية بيلاجيا غوليماري (1964)، الصادر عن «عالم المعرفة» عام 2026، فإن الكتاب لا يخلو من بعض المطبّات التي أثّرت، بدرجات متفاوتة، في تجربة القارئ، سواء أكان قارئًا نخبويًا متخصصًا أم قارئًا متذوقًا هاويًا.
تخوض غوليماري في هذا الكتاب مغامرة شاقة تتمثل في اختصار نحو ألفين وخمسمئة عام من تشكّل النقد الأدبي في العالم الغربي، منذ أفلاطون وصولًا إلى النظريات النقدية المعاصرة وما بعد الاستعمار. وهي مهمة ليست سهلة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتاريخ طويل تشابكت فيه الفلسفة بالأدب، وتداخلت فيه النظريات والمناهج، وتعارضت فيه التصورات حول وظيفة الأدب وحدود النقد وأدواته.
وقد نجحت الباحثة، إلى حد كبير، في تقديم هذا التاريخ بلغة علمية تستند إلى التوثيق والبحث الحديث، إذ تحرص على إسناد الأفكار والحجج التي تطرحها إلى مراجعها وفق نظام التوثيق الأكاديمي (APA). وهذا الأمر يمنح الكتاب قيمة بحثية واضحة، ويجعله مرجعًا مفيدًا لمن يريد تكوين صورة واسعة عن المسار الذي قطعه النقد الأدبي في الغرب.
حين يتحول التوثيق إلى استطراد
لكن هذه الوفرة البحثية نفسها كانت، في بعض المواضع، سببًا في إبطاء إيقاع الكتاب وإرباك القارئ. فقد وقعت غوليماري في استطرادات كان يمكن الاستغناء عنها من دون أن يتأثر البناء العام للكتاب أو فكرته الأساسية.
ولعل الاستطرادات المتعلقة بملحق الأعلام في فصل الحداثة مثال واضح على ذلك، إذ بدت بعيدة، في بعض أجزائها، عن صلب السؤال المتعلق بالنقد الأدبي، وأخذت مساحة كان يمكن توظيفها بصورة أكثر مباشرة في خدمة الموضوع الأساسي للكتاب.
فرويد بين علم النفس ونقد الأدب
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في الفصل الخاص بفرويد. فالشروحات السيكولوجية البحتة جاءت مفصلة إلى درجة أربكت القارئ، لا سيما أنها بدت أحيانًا أكثر توسعًا من معالجة علاقة فرويد بالأدب ونقده له.
كان يمكن اختصار الجانب النفسي لمصلحة التركيز على الأثر الذي تركته أفكار فرويد في القراءة الأدبية وفي تطور النقد، لأن أهمية فرويد بالنسبة إلى القارئ الأدبي لا تتوقف عند النظرية النفسية بحد ذاتها، وإنما تكمن في الطريقة التي غيّرت بها هذه الأفكار فهم النص والكاتب والشخصية والدافع والرغبة.
الجانب التطبيقي
ولا يقتصر الأمر على ذلك. فالكتاب الذي يجمع بين المسارين النظري والتطبيقي بدا في شقه التطبيقي أكثر عرضة للرتابة، خصوصًا حين يتناول روايات ومدونات أدبية قد تكون غريبة عن شريحة واسعة من القراء، ولا سيما قراء القرن الحادي والعشرين الذين قد لا يمتلكون معرفة مسبقة ببعض تلك النصوص.
وهنا يصبح القارئ أمام اختبار إضافي: فهم النظرية من جهة، والتعامل مع نصوص تطبيقية لا تنتمي بالضرورة إلى مخزونه القرائي من جهة أخرى. وهذا ما يجعل بعض الأجزاء التطبيقية أقل جذبًا من الأجزاء التي تشتغل مباشرة على تاريخ الأفكار والنظريات.
أرسطو وضرورة سدّ الفجوات
وفي موضع آخر، بدا وضع نقد أفكار أرسطو في القرنين التاسع عشر والعشرين، على يد نيتشه ودريدا، مثلًا لا حصرًا، أشبه بمحاولة لسد فجوات تاريخية في مسار النقد.
فالمادة التي تركها أرسطو في هذا المجال محدودة، إذ لم ينتج سوى عملين أساسيين يرتبطان بالنظرية الأدبية، هما «البلاغة» و«فن الشعر». لذلك كان لا بد من العودة إلى الكيفية التي أعاد بها مفكرون لاحقون قراءة أرسطو وتأويل أفكاره ونقدها، وهو ما يفسر حضور أرسطو المتجدد في النقاشات النقدية الحديثة.
إعادة ترتيب «البيت النقدي»
ومع ذلك، يبقى «النقد الأدبي ونظرياته» محاولة جادة ومهمة لاختصار تاريخ طويل ومعقد للنقد الأدبي، انطلاقًا من نشوء الفلسفات وتتابعها، ومن نقد بعضها لبعض، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نفي فلسفة أو نظرية أو نقضها بالكامل.
وفي هذا تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب الأساسية: غوليماري لا تقدم تاريخًا للنظريات بقدر ما تعيد ترتيب «البيت النقدي»، بحيث يستطيع القارئ أن يرى كيف ولدت الأفكار، وكيف تطورت، وكيف اعترضت عليها أفكار أخرى، ثم كيف أعادت النظريات اللاحقة قراءتها.
هل ما زلنا بحاجة إلى النظريات؟
وفي النهاية، يبدو أن الكتاب يريد الوصول إلى سؤال يتجاوز تاريخ النظريات نفسه: هل ما زال النقاد يحتاجون إلى كل هذه النظريات وما تفرّع منها من مناهج، أم أن الوقت قد حان للذهاب نحو قراءة لامنهجية، ولكن عاقلة، للنصوص؟

