نقص ناقلات النفط يهدد بإبقاء أسعار الوقود مرتفعة
عدد كبير من ناقلات النفط العملاقة في العالم -والتي يبلغ إجمالي عددها نحو 900 ناقلة- أصبحت إما أنها عالقة حالياً بالقرب من مضيق هرمز، أو أنها تبحر في رحلات أطول عبر طريق رأس الرجاء الصالح.
الرياض- تسببت الحرب الإيرانية في خلق نقص جديد في سوق النفط. وهذه المرة، فإن السلعة الشحيحة ليست النفط الخام فحسب، بل السفن التي تنقله.
أدت الهجمات بطائرات مسيرة -التي تسببت في إغلاق خط أنابيب سعودي بديل في وقت سابق من هذا الشهر- إلى إجبار المزيد من النفط الخام على العودة للمرور عبر مضيق هرمز، والاعتماد على أسطول من الناقلات يعاني أصلاً من ضغوط تشغيلية كبيرة. وقد امتد الأثر إلى جميع أنحاء العالم؛ إذ أدت الرحلات الأطول وعمليات النقل المكوكية حول مضيق هرمز إلى انشغال السفن ورفع المعدل اليومي لاستئجار ناقلات النفط إلى مستويات قياسية.
وتضيف هذه الأزمة تكلفة جديدة لحربٍ أدت بالفعل إلى تعطيل إمدادات الطاقة في جميع أنحاء العالم. إذ يؤدي نقص الناقلات المتاحة إلى إبطاء عمليات تسليم النفط في وقت تضغط فيه تكاليف الشحن القياسية على هوامش أرباح شركات التكرير، مما يهدد بإبقاء أسعار الوقود مرتفعة حتى لو انخفضت أسعار النفط الخام العالمية. وقد يفرض ذلك ضغوطاً جديدة على أسعار البنزين في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
يقول آدي إمسيروفيتش، وهو تاجر طاقة سابق ومحاضر في جامعة أكسفورد “ما يهم شركات التكرير هو التكلفة الواصلة للنفط الخام، وهذا يشمل تكلفة الشحن”. ويضيف “السعر عند محطة الوقود يتضمن كل هذه التكاليف، ويتحمل المستهلك دفع السعر الكامل”.
وأدى النقص المفاجئ في المعروض من ناقلات النفط العملاقة -المعروفة باسم “ناقلات النفط الخام الضخمة جداً” (VLCCs)- إلى رفع تكلفة نقل النفط عبر المضيق إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق. ففي وقت سابق من هذا الشهر، تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة للتحميل داخل الخليج العربي والعبور عبر مضيق هرمز حاجز المليون دولار يومياً، وذلك وفقاً لبيانات شركة “ويندوارد” المتخصصة في المعلومات البحرية. يُعادل ذلك 26 دولاراً للبرميل، أو ما يقرب من ربع قيمة النفط الخام بناءً على سعر السوق الحالي. وفي العادة، لا تتجاوز تكاليف الشحن جزءاً يسيراً من قيمة شحنة النفط الخام.
لا تقتصر أزمة نقص الناقلات على منطقة الشرق الأوسط فحسب؛ إذ تشهد الأسعار حول العالم ارتفاعاً حاداً، بما في ذلك المسار الممتد من غرب أفريقيا إلى الصين. وعالمياً، بلغ متوسط العائد اليومي لناقلات النفط الخام العملاقة (VLCC) 651,107 دولارات يوم الخميس، وهو ما يمثل ضعف المعدل المسجل قبل أسبوع -أي قبل إغلاق خط الأنابيب السعودي البديل المعروف باسم خط “الشرق-الغرب”- وذلك وفقاً لبيانات شركة “كلاركسونز للأبحاث”.
يُعد خط الأنابيب هذا المسار البديل الرئيسي للمملكة لتجاوز مضيق هرمز؛ حيث كان ينقل النفط الخام من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن هناك، تمكنت السعودية من شحن ملايين البراميل من النفط إلى عملائها في جميع أنحاء العالم.
وتشير مصادر مطلعة على عمليات شركة “أرامكو السعودية” -شركة النفط الوطنية في المملكة- إلى احتمالية إعادة تشغيل خط الأنابيب جزئياً في غضون أيام، رغم استمرار وجود عقبات تتعلق ببعض المسائل الفنية. وفي غضون ذلك، لم يشهد ميناء ينبع تحميل أي ناقلات للنفط الخام منذ وقوع الهجمات، وفقاً لبيانات تتبع حركة السفن.
وتعمل شركة “أرامكو” على زيادة كميات النفط الخام التي تمر عبر مضيق هرمز، معتمدةً في ذلك على أسلوب بديل يلجأ إليه جيرانها كثيراً، وهو عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى. وتتضمن هذه العملية رحلات قصيرة لنقل النفط من محطات التصدير في الخليج إلى موانئ تقع خارج مضيق هرمز مباشرة، حيث يمكن نقل الشحنات إلى سفن أخرى متجهة إلى الأسواق العالمية. ورغم أن هذه العمليات تضمن استمرار تدفق النفط، إلا أنها تشغل سفناً كان من الممكن استخدامها لنقل شحنات أخرى.
ووفقاً لبيانات شركة “كبلر” (Kpler) لتتبع حركة السفن، فقد غادرت اثنتا عشرة ناقلة نفط عملاقة (VLCC) مضيق هرمز محملة بـ 24 مليون برميل من الخام انطلاقاً من “رأس تنورة”، وهي محطة التحميل الرئيسية للمملكة على الخليج العربي، وذلك منذ وقوع الهجوم على خط أنابيب “الشرق-الغرب”.
وتجري “أرامكو” محادثات مع بعض العملاء الآسيويين بشأن استلام النفط الخام من ناقلات راسية قبالة سواحل عُمان عبر عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، وذلك بحسب مصادر مطلعة على عمليات الشركة.
وتعني هذه التغييرات أن عدداً أكبر من ناقلات النفط العملاقة في العالم -والتي يبلغ إجمالي عددها نحو 900 ناقلة- أصبحت إما أنها عالقة حالياً بالقرب من مضيق هرمز لتنفيذ عمليات نقل مكوكية قصيرة المدى، أو أنها تبحر في رحلات أطول عبر طريق رأس الرجاء الصالح، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف.
ووفقاً لستيفن جوردون، الرئيس العالمي لشركة “كلاركسونز للأبحاث”، يتواجد حالياً نحو 15% من الأسطول العالمي لناقلات النفط الخام العملاقة (VLCC) قبالة سواحل سلطنة عمان. كما أن هناك المزيد من هذه الناقلات العملاقة التي خرجت فعلياً من نطاق التشغيل المعتاد نظراً لقيامها برحلات أطول عبر طريق رأس الرجاء الصالح؛ إذ يضيف هذا المسار البديل نحو أسبوعين إلى مدة الرحلة.
وفي هذا السياق، أشار ماثيو رايت، كبير محللي الشحن في شركة “كبلر” (Kpler)، إلى وجود حدود للتحول السعودي نحو الموانئ الشرقية ومضيق هرمز، موضحاً “هناك مؤشرات على محدودية القدرة الإضافية لدعم عمليات النقل من سفينة إلى أخرى لاستيعاب المزيد من تدفقات الشحن المكوكية”.
ومن جانبها، قالت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في بنك “جي بي مورغان”، إن هذا الحل البديل يبدو فعالاً طالما أن إيران تسمح باستمراره.