هل يدوّل المنفي «الخلية التخريبية» لإبعاد صدام؟
قد يؤدي التدويل إلى زيادة الضغط من أجل كشف ملابساته، لكن أي اتهامات غير محسومة قد تفتح مواجهة سياسية جديدة
بوكس
حماس المنفي لتدويل القضية قد يتقاطع مع حسابات الصراع على مستقبل المجلس الرئاسي، ولا سيما في ظل حديث عن ترتيبات أميركية تتصل بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية
الحبيب الأسود
تواجه ليبيا أزمة سياسية وأمنية جديدة على خلفية التحقيقات في خلية تخريبية اتهمتها حكومة الوحدة الوطنية باستهداف منشآت حيوية في طرابلس والزاوية، بالتزامن مع تحرك رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لتدويل الملف وطلب دعم المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تفتح الباب أمام صراع جديد حول المسؤوليات الأمنية والسياسية، وما قد يترتب عليها من تداعيات على ترتيبات السلطة المقبلة.
وقبل مغادرته طرابلس متوجهًا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن المنفي أن ليبيا تقدمت رسميًا إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بطلب الحصول على دعم فني وتقني وقانوني في التحقيقات المتعلقة بهجمات استهدفت منشآت مدنية وحيوية في طرابلس والزاوية، وملاحقة المسؤولين عنها. وأوضح المجلس الرئاسي أن الطلب جرى عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بهدف تعزيز التحقيقات وكشف ملابسات الهجمات وتحديد المسؤولين عنها.
ويمنح هذا التحرك الملف بعدًا دوليًا، خصوصًا أن المجلس الرئاسي تحدث عن تقييم قانوني يرى أن طبيعة الأفعال المنسوبة إلى الخلية وجسامتها قد ترقى إلى جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. غير أن هذا التوصيف يبقى صادرًا عن السلطات الليبية في إطار التحقيقات، ولا يمثل حكمًا قضائيًا من المحكمة.
ويرى مراقبون أن حماس المنفي لتدويل القضية وإشراك المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات قد يتقاطع مع حسابات الصراع على مستقبل المجلس الرئاسي، ولا سيما في ظل الحديث عن ترتيبات سياسية أميركية محتملة تتصل بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية. وتبرز في هذا السياق شخصية الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة في شرق البلاد، باعتباره أحد الأسماء المتداولة في النقاشات المتعلقة بالترتيبات المقبلة، وإن كانت هذه التقديرات السياسية لا ترقى إلى مستوى المعلومات المؤكدة.
ويعد المنفي من أبرز الشخصيات السياسية الرافضة لبعض جوانب المبادرة الأميركية للتسوية السياسية، إذ أكد في مناسبات عدة أن أي ترتيبات لا تقود إلى إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات عامة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام المؤسسي. وشدد على ضرورة الذهاب نحو انتخابات تجدد الشرعية وتؤسس لسلطات دائمة.
وكانت حكومة الوحدة أعلنت في السادس من سبتمبر القبض على خمسة أشخاص وتفكيك خلية قالت إنها متورطة في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت خزانات للنفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وأضافت أنها أحبطت مخططات أخرى لاستهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس ومنشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية.
وقالت الحكومة إن البلاد لم تكن أمام حوادث متفرقة أو أعمال عشوائية، وإنما أمام «مخطط تخريبي واسع ومترابط» استهدف البنية التحتية ومصادر الطاقة والمنشآت النفطية والكهربائية، في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطًا كبيرة على الخدمات. وأكدت أن العملية الأمنية والاستخباراتية التي نفذتها وزارة الدفاع لا تمثل نهاية الملف، بل بداية لكشف بقية خيوطه وامتداداته.
وفي حين تحدثت السلطات عن وجود عناصر أجنبية بين المتهمين، إلى جانب ليبيين يحملون جنسيات أخرى، لم تكشف رسميًا أسماء الموقوفين أو تفاصيل كاملة عن الجهات التي تقف وراء الخلية. وتداولت وسائل إعلام معلومات غير رسمية عن طبيعة المجموعة وصلاتها بتشكيلات عسكرية مختلفة، لكن هذه الروايات لا تزال بحاجة إلى تأكيد من التحقيقات والجهات القضائية المختصة.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب الحديث عن احتمال امتداد التحقيق إلى جهات أو شخصيات أخرى، الأمر الذي قد يحول الملف الأمني إلى ورقة جديدة في الصراع السياسي الليبي. وفي هذا السياق، حذرت أصوات ليبية من توظيف القضية في التجاذبات المتعلقة بمسار التسوية السياسية، بينما دعت أخرى إلى كشف جميع ملابساتها ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها، بصرف النظر عن موقعها أو انتمائها.
وفي مقال بموقع «ليبيا أوبزرفر»، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبدالله الكبير أن التكهنات بشأن توظيف القضية لخدمة أهداف سياسية دفعت الحكومة إلى التشديد على استمرار التحقيقات وعدم التفاوض بشأنها مع أي طرف، مع التعهد بإعلان النتائج للرأي العام. ويرى الكبير أن استهداف منشآت الطاقة يمكن أن يزيد الضغوط الاجتماعية على الحكومة، خصوصًا في ظل أزمة الكهرباء وشح الوقود، بما يرفع كلفة الأزمة السياسية القائمة.
وفي المقابل، تحدثت أوساط ليبية عن اتصالات إقليمية لاحتواء الملف ومنع تحوله إلى عامل إضافي لتعطيل الترتيبات السياسية. كما حذرت من أن اتساع التحقيقات من دون إطار قضائي واضح قد يفتح الباب أمام اتهامات متبادلة ويعيد إنتاج مناخ تصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
وحاولت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة احتواء هذه المخاوف، إذ أكدت استمرار التحقيقات ونفت وجود أي توجه للتفاوض بشأن القضية مع أي طرف، متعهدة بإعلان النتائج وإطلاع الرأي العام عليها بعد استكمالها. وشددت على أن الملاحقة ستشمل كل من تثبت التحقيقات صلته بالمخطط.
وتواصل المحكمة الجنائية الدولية نظرها في ملف ليبيا منذ إحالة مجلس الأمن الوضع في البلاد إليها بموجب القرار 1970 الصادر في فبراير 2011. ويشير طلب المنفي إلى رغبة السلطات الليبية في الاستفادة من الخبرة والدعم الدوليين في التحقيقات، لكن ذلك لا يعني أن المحكمة تولت بالفعل التحقيق في الخلية أو أصدرت أي اتهامات بشأنها.
وبذلك يتحول ملف «الخلية التخريبية» إلى اختبار مزدوج: قدرة السلطات الليبية على كشف حقيقة الهجمات وتحديد المسؤوليات بالأدلة، وقدرتها في الوقت نفسه على منع التحقيق من التحول إلى أداة في الصراع على مستقبل السلطة. وبينما قد يؤدي تدويل الملف إلى زيادة الضغط من أجل كشف ملابساته، فإن أي اتهامات غير محسومة قد تفتح مواجهة سياسية جديدة، خصوصًا إذا تداخلت التحقيقات الأمنية مع ترتيبات المرحلة الانتقالية والصراع على مواقع النفوذ.