انتخابات المغرب: الأحزاب تطارد أصوات جيل زد
الصحة والتعليم والتشغيل تتحول إلى مفاتيح لاستعادة ثقة شباب فقدوا الثقة في الخطاب الحزبي
بوكس
الأحزاب تتنافس على المقاعد، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالا أكبر حول قدرتها على استعادة ثقة الناخبين، خصوصا الشباب
لا تبدو الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 سبتمبر مجرد منافسة بين 27 حزبا على 395 مقعدا في مجلس النواب، بل اختبارا لقدرة الأحزاب على مخاطبة جيل جديد بات أكثر حساسية تجاه قضايا الصحة والتعليم والتشغيل وأقل ارتباطا بالخطاب الحزبي التقليدي. ومع اقتراب موعد الاقتراع، تحاول الأحزاب تحويل هذه الملفات إلى أدوات لاستعادة ثقة الناخبين، خصوصا الشباب الذين تصاعد حضورهم الاحتجاجي خلال العام الماضي.
وتضع الحملة الانتخابية الصحة والتعليم والتشغيل في صدارة الوعود، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمغاربة. كما تبرز قضايا القدرة الشرائية والسكن والحماية الاجتماعية ضمن البرامج الانتخابية، فيما تقدم الأحزاب تصورات مختلفة حول كيفية تمويل وتنفيذ تعهداتها. ويعكس ذلك انتقال المنافسة من الشعارات العامة إلى محاولة الإجابة عن أسئلة ملموسة: أين يجد الشباب العمل؟ وكيف تتحسن الخدمات العامة؟
لكن الرهان الأصعب يتعلق بالشباب أنفسهم. فالتغطيات الحديثة للحملة تشير إلى اتساع حالة عدم الثقة لدى قطاعات من الشباب تجاه الأحزاب. وتظهر هذه الفجوة بين الخطاب الحزبي وانتظارات الجيل الجديد بوضوح في عودة قضايا التشغيل والفرص إلى قلب الحملة.
وتحاول الأحزاب استيعاب هذه الرسالة بطرق مختلفة. فقد جعل حزب التجمع الوطني للأحرار التعليم والتشغيل من أبرز محاور برنامجه، فيما يطرح حزب الأصالة والمعاصرة برنامجا يتضمن هدف خلق مليون فرصة عمل وإجراءات خاصة بإدماج الشباب، بينما يركز حزب الاستقلال على القدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية والتشغيل. وتطرح تحالفات اليسار بدورها برامج أكثر اتساعا في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
غير أن كثرة الوعود قد لا تكون كافية لإقناع جيل يطالب بنتائج قابلة للقياس. فالمشكلة التي تواجه الأحزاب ليست فقط في صياغة برنامج جذاب، وإنما في إقناع الناخب بأن البرنامج قابل للتنفيذ وأن وعوده لن تبقى رهينة الحملات الانتخابية. وتزداد أهمية هذه المسألة مع ظهور انتقادات تتعلق بكلفة بعض البرامج ووضوح مصادر تمويلها.
وتكتسب احتجاجات «جيل زد» التي شهدها المغرب في 2025 أهمية خاصة في قراءة هذه الانتخابات. فقد كشفت الاحتجاجات عن مطالب تركز على إصلاح الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، وهي المطالب نفسها التي تحاول الأحزاب اليوم إعادة إدخالها إلى برامجها الانتخابية. ولذلك فإن العلاقة بين الأحزاب وهذا الجيل لا تتوقف على قدرة السياسيين على استقطاب الشباب، بل على قدرتهم على فهم الأسباب التي دفعت جزءا منهم إلى الاحتجاج خارج الأطر الحزبية.
وتكشف الحملة كذلك عن تحول في أدوات التواصل السياسي. فالأحزاب لم تعد تعتمد فقط على التجمعات والمهرجانات الانتخابية، وإنما تخوض جزءا متزايدا من المنافسة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يحضر الشباب بقوة. وهذا يفرض على الأحزاب الانتقال من الخطاب التقليدي إلى خطاب أكثر مباشرة وقدرة على التعامل مع الأسئلة اليومية لجيل نشأ في بيئة رقمية مختلفة عن الأجيال السابقة.
ومع تسجيل أكثر من 15.8 مليون ناخب في اللوائح الانتخابية، تبدو المعركة مفتوحة أمام الأحزاب للوصول إلى شرائح مختلفة من الناخبين، لكن التحدي لا يكمن فقط في زيادة عدد الأصوات، بل في إعادة بناء علاقة أكثر استقرارا بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
وبذلك تتحول انتخابات 23 سبتمبر إلى اختبار مزدوج: الأحزاب تتنافس على المقاعد، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالا أكبر حول قدرتها على استعادة ثقة الناخبين، خصوصا الشباب. فالصحة والتعليم والتشغيل قد تكون مفاتيح انتخابية، لكن ما سيحدد وزنها السياسي هو قدرة الأحزاب على تحويلها من وعود انتخابية إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم في هذه الانتخابات ليس فقط من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما هل تنجح الأحزاب المغربية في إقناع جيل زد بأن صناديق الاقتراع يمكن أن تكون طريقا للتغيير ؟