الحوثيون يغيرون الأعداء: من إسرائيل إلى السعودية
التركيز الحوثي على«العدو السعودي وحده» مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن: إجراء تكتيكي أم خيار استراتيجي؟
بوكس
باب المندب قد يتحول من ساحة مرتبطة أساسًا بالصراع على غزة وإسرائيل إلى جبهة استهداف للسعودية، بما يختبر قدرة الرياض وحلفائها على حماية الممر البحري
عدن – تبدو جماعة الحوثي في طريقها إلى إعادة ترتيب أولويات المواجهة في البحر الأحمر، بعدما انتقل خطابها من التركيز على إسرائيل والسفن المرتبطة بها خلال حرب غزة إلى إعلان السعودية باعتبارها الخصم المباشر في المرحلة الحالية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تقدم الجماعة على الساحل الغربي لليمن ووصولها إلى مناطق قريبة من مضيق باب المندب، فيما تحرص في المقابل على إبقاء باب التواصل مفتوحًا مع الولايات المتحدة وتجنب الصدام مع إسرائيل في الوقت الحالي، ما يطرح السؤال عن أولوية الصراع وخلفياته إن كانت سياسية أم طائفية ومذهبية.
وقال عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي لوكالة أسوشيتد برس إن جماعته أكدت للإدارة الأميركية أنها لا تستهدف الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى في المضيق، وإن «العدو السعودي وحده» هو المستهدف في الوقت الحالي. كما حذر الدول التي قد تنضم إلى السعودية في الحرب من الانخراط إلى جانبها، في رسالة تبدو موجهة أساسًا إلى الأطراف الإقليمية التي قد تشارك في أي ترتيبات عسكرية لمواجهة الحوثيين.
وتكتسب تصريحات البخيتي أهميتها من أنها ترسم حدودًا واضحة نسبيًا للمعركة التي تريد الجماعة خوضها. فالحوثيون لا يقدمون أنفسهم، وفق الخطاب الجديد، في مواجهة مفتوحة مع كل القوى الموجودة في البحر الأحمر، وإنما يحاولون حصر المواجهة مع السعودية، مع تجنب صدام مباشر مع الولايات المتحدة. وهذا التمييز يأتي في وقت تؤكد فيه الجماعة حاجتها إلى هامش للتفاوض مع واشنطن عبر الوساطة العمانية.
ووفق أسوشيتد برس، استضافت سلطنة عمان اجتماعًا بين ممثلين أميركيين وحوثيين، فيما أكد البخيتي وجود اتصالات غير مباشرة مع مسؤولين أميركيين عبر مسقط. وكانت وساطة عمان قد ساهمت في التوصل إلى اتفاق سابق أدى إلى وقف حملة القصف الأميركية ضد الحوثيين مقابل وقف الجماعة هجماتها على السفن الأميركية في البحر الأحمر.
وتكشف هذه الاتصالات عن مفارقة في الموقف الحوثي: فالجماعة تصعد خطابها ضد السعودية، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب فتح جبهة مباشرة مع واشنطن أو تل ابيب. ويعني ذلك أن الحوثيين ينظرون إلى الحرب من أكثر من زاوية، بحيث يمكن أن تكون المواجهة مع طرف، بينما تظل قنوات التفاوض مفتوحة مع طرف آخر.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل خرجت من الحسابات الحوثية، خصوصًا أن الجماعة بنت جانبًا أساسيًا من خطابها العسكري خلال الحرب في غزة على استهداف السفن التي قالت إنها مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئها. لكن تصريحات البخيتي تشير إلى أن مركز الثقل العسكري والسياسي للحوثيين يتحرك الآن باتجاه السعودية، بالتزامن مع التطورات الميدانية في غرب اليمن.
وتزيد السيطرة الحوثية على مناطق في الساحل الغربي من حساسية هذا التحول. فباب المندب ليس مجرد ممر بحري في الحرب اليمنية، بل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن، وأحد أهم طرق التجارة الدولية. ولذلك فإن انتقال المواجهة إلى محيط المضيق يرفع كلفة أي تصعيد، حتى إذا أصرت الجماعة على أن هدفها ليس إغلاقه.
وفي هذا السياق، قال البخيتي إن الهدف من العمليات العسكرية ليس إغلاق باب المندب، بل ضمان حرية الملاحة للجميع، بما في ذلك اليمن. غير أن تحديد السفن المستهدفة على أساس علاقتها بالسعودية يضع الملاحة الدولية أمام منطقة رمادية، إذ يمكن أن تتسع دائرة المخاطر إذا اعتبرت الجماعة أن سفنًا أو شركات أو دولًا معينة تقدم دعمًا للرياض.
وتواجه السعودية، في المقابل، معادلة دقيقة. فالتصعيد الحوثي يضع المنشآت الحيوية والممرات البحرية ومصالح الطاقة أمام ضغوط أمنية متزايدة، لكن توسيع الحرب قد يفتح جبهات جديدة ويمنح الحوثيين مبررًا لتوسيع نطاق عملياتهم. كما أن طبيعة القوى المناهضة للحوثيين وتعدد مراكز القرار العسكري والسياسي داخل المعسكر اليمني تجعل بناء استجابة موحدة أكثر تعقيدًا.
وتحاول الجماعة من خلال تحذير الدول الأخرى أن تجعل تكلفة الانضمام إلى السعودية واضحة مسبقًا. فالرسالة لا تستهدف الرياض وحدها، وإنما كل طرف قد يرى أن أمن البحر الأحمر أو أمن السعودية يستوجب المشاركة في مواجهة الحوثيين، وربما يكون هذا رسالة إلى مصر بالدرجة الأولى.
وفي الوقت ذاته، يبرز الدور العماني باعتباره قناة اتصال يمكن أن تمنع انتقال التصعيد إلى مواجهة أوسع. فوجود قناة غير مباشرة بين واشنطن والحوثيين، بالتزامن مع تصعيد الجماعة ضد السعودية، يشير إلى محاولة إبقاء الحرب محكومة بحدود معينة، حتى وإن ظلت فرص التسوية النهائية محدودة.
وتكشف التطورات بذلك عن معادلة جديدة في البحر الأحمر: الحوثيون يرفعون السعودية إلى صدارة الخصوم، ويحاولون إبقاء الولايات المتحدة خارج دائرة الاستهداف، وكذلك إسرائيل ولو مؤقتا، فيما يلوحون للدول الأخرى بأن المشاركة في الحرب قد تجعلها طرفًا في المواجهة.
وإذا استمر هذا المسار، فإن باب المندب قد يتحول من ساحة مرتبطة أساسًا بالصراع على غزة وإسرائيل إلى جبهة ضغط مباشرة على السعودية، بما يختبر قدرة الرياض وحلفائها على حماية الممر البحري من دون توسيع نطاق الحرب.