هل الشرع سلفي: جدل حول المرجعية الدينية لسوريا
تصريحات الرفاعي يمكن قراءتها بوصفها جزءا من نقاش أوسع على هوية سوريا الدينية بعد سقوط النظام السابق.
بوكس
الفضاء السني السوري لم يكن محصورا في اتجاه واحد، بل عرف حضورا متداخلا للمدارس الأشعرية والصوفية والسلفية
دمشق – لا يبدو الجدل الذي أثارته تصريحات مفتي سوريا أسامة الرفاعي بشأن الخلفية الفكرية للرئيس أحمد الشرع مجرد خلاف عقدي بين السلفية والصوفية والأشعرية، بل يكشف عن سؤال أوسع يتعلق بالمرجعية الدينية التي يمكن أن ترسم ملامح سوريا الجديدة. فبينما يستعيد خطاب سلفي صورة الشرع وماضيه الفكري قبل وصوله إلى السلطة، يقدم الرئيس اليوم خطابا أكثر انفتاحا واعتدالا، ما يفتح نقاشا حول طبيعة هذا التحول ومصدره وحدوده.
وتكمن حساسية المسألة في أن الشرع لم ينتقل فقط من المعارضة المسلحة إلى موقع الحكم، بل انتقل أيضا من خطاب ديني وسياسي ارتبط بمرحلة الحرب إلى خطاب موجه إلى دولة متعددة المكونات والتيارات. ولذلك فإن السؤال عن مرجعيته لا يتعلق بالماضي وحده، وإنما بما إذا كان موقعه الحالي يعكس مراجعة فكرية وسياسية مستمرة، أم إعادة صياغة للخطاب فرضتها مسؤوليات الحكم ومتطلبات بناء الدولة وعلاقاتها الداخلية والخارجية.
ولا يعني استحضار الخلفية السلفية للشرع بالضرورة أن خطابه الحالي يمثل استمراراً مطابقا لمواقفه السابقة. كما أن تبني خطاب أكثر اعتدالا لا يكفي وحده لإثبات حدوث مراجعة فكرية مكتملة. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة من التحول السياسي والفكري لا يمكن حسمها بمجرد التصنيفات الأيديولوجية.
من هنا تكتسب تصريحات الرفاعي أهمية تتجاوز مضمونها المباشر. فالمفتي، بما يمثله من مرجعية دينية سنية، يدخل بصورة غير مباشرة في نقاش حول طبيعة الإسلام الذي يمكن أن يكون مرجعية للدولة السورية الجديدة. وهل ستكون هذه المرجعية امتدادا للتيارات الدينية التي برزت خلال سنوات الحرب، أم ستستعيد تقاليد التدين السني السوري بما تحمله من تنوع فقهي وعقدي وصوفي، أم ستنشأ صيغة جديدة تحاول السلطة من خلالها الجمع بين عناصر مختلفة؟
وتاريخ سوريا الديني يجعل السؤال أكثر تعقيدا. فالفضاء السني السوري لم يكن محصورا في اتجاه واحد، بل عرف حضورا متداخلا للمدارس الأشعرية والصوفية والسلفية، إلى جانب مؤسسات دينية تقليدية لعبت أدوارا مختلفة في المجتمع. ولذلك فإن إعادة تعريف المرجعية الدينية بعد الحرب لا يمكن اختزالها في علاقة الرئيس بالتيار السلفي، بل تتصل أيضا بمستقبل المؤسسات الدينية وعلاقتها بالدولة وبالمجتمع.
وفي المقابل، يحاول خطاب سلفي استعادة مراحل سابقة من مسار الشرع باعتبارها مفتاحا لفهم مواقفه الحالية. وهذه المقاربة تقوم على فكرة أن انتقال الرجل إلى السلطة لا يلغي بالضرورة تكوينه الفكري السابق، وأن التغير في اللغة السياسية لا يعني بالضرورة تغيرا كاملا في المرجعية الفكرية. لكن هذه القراءة تبقى واحدة من القراءات الممكنة، ولا تكفي وحدها لإثبات استمرارية فكرية كاملة بين مرحلتي المعارضة والحكم.
في الاتجاه الآخر، يمكن النظر إلى التحول في خطاب الشرع باعتباره نتيجة لتجربة سياسية وعسكرية طويلة، فرضت عليه التعامل مع مجتمع أكثر تنوعا مما تسمح به الخطابات الأيديولوجية المغلقة. فالحكم يضع أمامه مسائل المواطنة، وحقوق المكونات، والعلاقة بين الدولة والدين، وإدارة الاختلاف، وهي قضايا تختلف في طبيعتها عن الخطاب الذي كان موجها إلى بيئة الصراع المسلح.
لكن يبقى السؤال عن مصدر هذا التحول مفتوحا. هل هو تحول فكري نابع من مراجعة تراكمت خلال سنوات الحرب، أم براغماتية سياسية فرضتها الانتقال من العمل المسلح إلى إدارة الدولة؟ وربما يكون الفصل الحاد بين الاحتمالين مضللا، إذ يمكن أن تتداخل المراجعة الفكرية مع ضرورات الحكم، وأن يعيد السياسي صياغة أفكاره تحت تأثير التجربة والواقع الجديد.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع محاولة السلطة الجديدة بناء شرعية دينية وسياسية في آن واحد. فاختيار المرجعيات الدينية التي تستمع إليها الدولة، وطبيعة المؤسسات التي تمثل الإسلام الرسمي، وطريقة التعامل مع المدارس والتيارات المختلفة، كلها ستكون مؤشرات أكثر دلالة على اتجاه سوريا الجديدة من التصنيفات التي تطلق على الرئيس نفسه.
كما أن استمرار الجدل حول «سلفية» الشرع أو «وهابيته» قد يحجب السؤال الأهم: هل ستبقى المرجعية الدينية مرتبطة بشخص الرئيس وخلفيته، أم ستنتقل إلى مؤسسات وقواعد واضحة تتعامل مع التنوع الديني والمذهبي السوري؟ ففي الحالة الأولى يصبح فهم ماضي الحاكم أساسا لفهم الدولة، بينما تتيح الحالة الثانية بناء مرجعية مؤسسية تتجاوز التحولات الشخصية والسياسية.
لهذا فإن تصريحات الرفاعي يمكن قراءتها بوصفها جزءا من نقاش أوسع على هوية سوريا الدينية بعد سقوط النظام السابق. فالمعركة ليست فقط بين من يصف الشرع بأنه سلفي ومن يرفض هذا التصنيف، وإنما بين تصورات مختلفة حول الإسلام الذي سيكون حاضرا في الدولة والمجتمع، وحول الجهة التي تملك سلطة تفسيره وتمثيله.
وبذلك، قد يكون السؤال الأكثر دقة ليس: هل الشرع سلفي أم وهابي أم سني أشعري؟ بل: أي مرجعية دينية تريد سوريا الجديدة أن تبني عليها مؤسساتها وخطابها العام؟ وهل ستكون امتدادا لصورة الشرع السابقة على السلطة، أم عودة إلى تعددية التدين السني السوري، أم صيغة جديدة يحاول الحكم تشكيلها بين مقتضيات الموروث ومتطلبات الدولة؟