نيويورك – بعد سبعة أشهر من الحرب مع إيران، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام سؤال مختلف عن ذلك الذي رافق بداية المواجهة: ليس فقط كيف يمكن مواصلة الضغط على طهران، وإنما كيف يمكن إنهاء الحرب من دون ترك دول الخليج أمام المخاطر نفسها التي جعلت الصراع يهدد أمنها واقتصاداتها وممراتها البحرية.
ويأتي إعلان ترامب أنه يأمل في أن تكون نهاية الحرب قريبة، بالتزامن مع تقرير عن اجتماع مرتقب مع قادة أو وزراء خارجية دول مجلس التعاون في نيويورك لمناقشة استراتيجية ما بعد الحرب.
وتعكس هذه التطورات انتقالا تدريجيا في الخطاب الأميركي من إدارة العمليات العسكرية إلى التفكير في شكل التسوية وترتيبات اليوم التالي. وقال ترامب إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق، مضيفا أنه تلقى رسائل مباشرة منها، من دون أن يكشف تفاصيل الاتصالات. لكن هذه الإشارات لا تعني أن اتفاقا نهائيا بات جاهزا، بقدر ما تفتح الباب أمام البحث عن صيغة لإنهاء الحرب.
بالنسبة إلى دول الخليج، فإن وقف الحرب لا يتعلق فقط بتوقف الغارات أو عودة الهدوء إلى المنطقة. فالحرب وضعت أمن الخليج وممراته البحرية ومنشآته النفطية أمام مخاطر مباشرة، كما دفعت اضطرابات الطاقة وأسعار النفط والغاز إلى صدارة الحسابات الاقتصادية والسياسية.
ولهذا تكتسب المشاورات الأميركية المرتقبة مع السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان أهمية خاصة. فإذا كانت واشنطن تبحث في «استراتيجية ما بعد الحرب»، فإن العواصم الخليجية معنية بأن تعرف كيف ستبدو هذه الاستراتيجية بالنسبة إلى أمنها، وما إذا كانت التسوية مع إيران ستتضمن ترتيبات تمنع تكرار التصعيد.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بمطالبة واشنطن باستمرار الحرب، بل بكيفية الانتقال من الحرب إلى تسوية لا تترك فراغا أمنيا. فالخليج يريد، في المقام الأول، أن تكون نهاية الحرب واضحة في ترتيباتها، لا مجرد إعلان سياسي يمكن أن ينهار عند أول أزمة جديدة.
ويبرز مضيق هرمز في مقدمة الملفات التي تحتاج إلى معالجة. فقد جعلت الحرب حرية الملاحة في المضيق قضية أمنية واقتصادية تتجاوز المنطقة، نظرا إلى الدور الذي يلعبه في حركة الطاقة العالمية.
وأي اتفاق لإنهاء الحرب سيكون بحاجة إلى إجابة عن كيفية ضمان استمرار حركة السفن، وما إذا كانت هناك آلية واضحة تمنع استخدام المضيق مجددا كورقة ضغط عسكري أو سياسي. كما ستحتاج دول الخليج إلى معرفة طبيعة الدور الأميركي في حماية الملاحة، خصوصا إذا تراجعت العمليات العسكرية الأميركية بعد انتهاء الحرب.
وهنا تظهر حساسية الموقف الخليجي: فإعادة فتح هرمز ليست مجرد مسألة فنية تتعلق بمرور السفن، وإنما جزء من معادلة أمنية أوسع ترتبط بعلاقة إيران بجيرانها وبقدرة دول المنطقة على حماية مصالحها التجارية والطاقة.
المسألة الثانية تتعلق بالضمانات الأمنية. فدول الخليج قد تنظر إلى أي تسوية أميركية–إيرانية من زاوية ما ستتركه وراءها من توازنات.
إذا انتهت الحرب باتفاق يعيد ضبط العلاقة بين واشنطن وطهران، فإن السؤال الخليجي سيكون حول ما إذا كان الاتفاق سيأخذ في الاعتبار أمن دول مجلس التعاون، أم أن التفاوض سيبقى محصورا في الملفات الأميركية والإيرانية.
وهذا لا يعني أن دول الخليج تتبنى موقفا واحدا بشأن كل تفاصيل الحرب أو شروط التسوية، لكن قربها الجغرافي من إيران يجعلها طرفا مباشرا في نتائج أي اتفاق. ولذلك سيكون من الصعب فصل «اليوم التالي» للحرب عن ترتيبات أمن الخليج.
إذا كانت واشنطن تبحث في «استراتيجية ما بعد الحرب»، فإن العواصم الخليجية معنية بأن تعرف كيف ستبدو هذه الاستراتيجية بالنسبة إلى أمنها
يبدو ترامب، من خلال تصريحاته الأخيرة، أكثر انفتاحا على فكرة التوصل إلى اتفاق مع إيران. لكنه في الوقت نفسه لا يقدم مؤشرات على أنه مستعد لإنهاء الحرب من دون مقابل سياسي وأمني.
وهنا قد تكون المسألة الأساسية هي طبيعة الاتفاق الذي يمكن أن تقبله واشنطن وطهران. فالحرب بدأت على خلفية ملفات تتعلق بالقدرات النووية والعسكرية الإيرانية، ثم توسعت تداعياتها لتشمل الملاحة والطاقة وأمن المنطقة. وبالتالي فإن اتفاقا يقتصر على وقف القتال قد لا يكون كافيا لضمان استقرار طويل الأمد.
وتحتاج واشنطن أيضا إلى إقناع حلفائها بأن وقف الحرب لن يكون مجرد استراحة تعيد إيران خلالها بناء قدراتها ثم تعود المواجهة في صورة جديدة.
وتأتي هذه الحسابات في وقت أصبح فيه ارتفاع أسعار النفط والغاز مشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة. فالخبر يشير إلى أن تداعيات الحرب على أسعار الطاقة باتت قضية رئيسية بالنسبة إلى الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وهذا يمنح ترامب دافعا إضافيا للبحث عن نهاية للحرب، خصوصا إذا كان استمرارها يعني بقاء أسواق الطاقة تحت ضغط وعدم استقرار حركة الملاحة. لكن المصلحة الأميركية في خفض أسعار الطاقة لا تتطابق بالضرورة مع كل الحسابات الخليجية.
فدول الخليج تحتاج إلى استقرار طويل الأمد في الأسواق والممرات البحرية، وليس فقط إلى انخفاض مؤقت في الأسعار نتيجة وقف العمليات العسكرية.
وتحتل السعودية موقعا مركزيا في أي نقاش أميركي حول مستقبل الحرب. فهي أكبر دول مجلس التعاون من حيث الوزن الاقتصادي والسياسي، كما أن أمنها يرتبط مباشرة بأمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة.
ومن ثم فإن طمأنة الرياض لا تعني تقديم ضمانات عسكرية فقط، وإنما توضيح شكل الترتيبات الإقليمية بعد الحرب، وطبيعة العلاقة التي ستقيمها واشنطن مع طهران، وكيف ستتعامل مع أي تهديدات مستقبلية للمملكة أو للملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
كما أن مشاركة عمان في المشاورات تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى دورها التقليدي في قنوات الاتصال مع إيران، ما يجعلها طرفا قادرا على نقل هواجس الخليج وفي الوقت نفسه فهم الموقف الإيراني.
ويبدو أن ترامب يقترب من اللحظة التي يصبح فيها البحث عن نهاية الحرب جزءا من استراتيجية الإدارة، لا مجرد احتمال بعيد. لكن نجاح أي مخرج سياسي سيعتمد على أكثر من الاتفاق مع طهران.
فالخليج يريد أن يعرف ماذا سيحدث بعد وقف القتال، وكيف ستتم حماية الملاحة، وما هي الضمانات الأمنية، وكيف ستتعامل واشنطن مع إيران الجديدة بعد الحرب، وما إذا كانت الترتيبات المقبلة ستمنع تكرار الأزمة.
لهذا فإن اجتماع نيويورك، إذا انعقد كما هو متوقع، لن يكون مجرد مشاورات أميركية–خليجية حول حرب شارفت على نهايتها، بل اختبارا لقدرة ترامب على تقديم صيغة نهاية تطمئن حلفاءه بقدر ما تنهي المواجهة مع خصمه.
فالمعادلة التي تواجه الإدارة الأميركية تبدو أكثر تعقيدا من إعلان وقف إطلاق النار: ترامب قد يريد إنهاء الحرب، لكن الخليج يريد أن يعرف بأي شروط، وبأي ضمانات، ومن سيضمن ألا تبدأ الحرب من جديد بعد أن تنتهي.
