بكين – لم تعد نقاط الاختناق التي يخشاها الاقتصاد العالمي موجودة فقط في مضيق هرمز أو باب المندب. ففي الجغرافيا التقليدية يكفي أن تسيطر قوة ما على ممر بحري أو تهدده حتى تتمكن من التأثير في حركة التجارة والطاقة، لكن الحرب الحديثة تفتح باباً أكثر تعقيداً: تحويل الشبكات الرقمية التي تدير المدن والموانئ ومحطات الكهرباء والمياه إلى نقاط اختناق لا تُرى بالعين ولا تحتاج إلى سفن حربية لإغلاقها.
هذا هو جوهر التحذير الذي تطرحه آن نيوبيرغر، نائبة مستشار الأمن القومي الأميركي السابقة، في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» تحت عنوان «الطريقة الصينية الجديدة للحرب السيبرانية»، حيث تتحدث عن إمكانية استخدام بكين لنقاط اختناق رقمية تمنحها قدرة على إحداث اضطرابات في بنى تحتية حيوية من دون اللجوء إلى هجوم عسكري تقليدي.
وبهذا المعنى، لا يصبح السؤال فقط كيف تستطيع الصين استخدام قوتها الاقتصادية أو التجارية للضغط على الولايات المتحدة، وإنما كيف يمكن أن تتحول البنية التحتية الأميركية نفسها إلى ساحة صراع، بحيث يصبح الوصول إلى شبكة كهرباء أو منشأة مياه أو نظام اتصالات شبيهاً، من حيث التأثير الاستراتيجي، بالوصول إلى ممر بحري حيوي.
من المضيق إلى الشبكة
تكمن أهمية الفكرة في أنها تغير تعريف «نقطة الاختناق». فهرمز وباب المندب نقطتان جغرافيتان واضحتان، يمكن تحديدهما على الخريطة ومراقبة السفن الداخلة والخارجة منهما. أما نقطة الاختناق الرقمية فقد تكون خادماً، أو شبكة تشغيل، أو نظام تحكم في محطة كهرباء، أو منظومة اتصالات في منشأة بعيدة عن مركز القرار السياسي.
وتقول وكالات أميركية للأمن السيبراني، بينها وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية «CISA» ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي، إن نشاط مجموعة «فولت تايفون» المرتبطة بالصين طال شبكات من قطاعات الاتصالات والطاقة والنقل والمياه والصرف الصحي في الولايات المتحدة وأقاليمها. والأهم أن التقييم الأميركي يقول إن طبيعة هذا النشاط لا تبدو شبيهة بالتجسس التقليدي فقط، وإن المجموعة سعت إلى التموضع داخل شبكات يمكن أن تتيح لاحقاً تعطيل وظائف تشغيلية في قطاعات حيوية.
وإذا كانت السفينة في هرمز تحتاج إلى ممر بحري حتى تصل إلى وجهتها، فإن المدينة الحديثة تحتاج إلى شبكات رقمية حتى تعمل بصورة طبيعية. ولذلك فإن تعطيل تلك الشبكات، ولو بصورة مؤقتة، يمكن أن ينعكس على الخدمات اليومية والاقتصاد وسلاسل الإمداد وربما على قدرة الدولة على تعبئة مواردها في وقت الأزمة.
سلاح لا يحتاج إلى صاروخ
تمنح الحرب السيبرانية ميزة إضافية تتمثل في صعوبة رؤية لحظة بدء الهجوم. ففي الحرب التقليدية يمكن رصد إطلاق الصواريخ أو تحرك القوات، بينما يمكن أن يبدأ الهجوم السيبراني بوجود صامت داخل شبكة لأسابيع أو أشهر قبل استخدام الوصول المتاح لتنفيذ عملية تخريبية.
وتشير التقييمات الأميركية إلى أن «فولت تايفون» اعتمدت أساليب تسمح لها بالتخفي داخل الأنظمة المستهدفة والاستفادة من حسابات وأدوات موجودة أصلاً في الشبكات، بما يصعب اكتشاف النشاط في مراحله المبكرة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم «التمركز المسبق». فالقوة التي تريد استخدام هرمز لا تحتاج إلى إغلاقه طوال الوقت؛ يكفي أن تكون قادرة على تهديده عند الحاجة. وبالمثل، فإن وجود خصم داخل شبكة حيوية قد لا يعني أن الهجوم سيقع فوراً، لكنه يمنحه خياراً استراتيجياً يمكن تفعيله عندما تتغير ظروف الصراع.
دلالة “هرمز الرقمي”: الاختناق الاستراتيجي لم يعد يحتاج إلى جغرافيا؛ يكفي أن يكون هناك نظام لا يستطيع الاقتصاد الحديث الاستغناء عنه
وهذا التحول يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها التعامل مع الاختراق ليس باعتباره حادثاً تقنياً، وإنما باعتباره جزءاً من حسابات الردع والحرب.
الذكاء الاصطناعي يغير المعادلة
يزداد هذا الخطر تعقيداً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال السيبراني. فالأمر لا يتعلق فقط بقدرة الآلة على تنفيذ الهجوم، وإنما بإمكان استخدامها لتسريع اكتشاف الثغرات وتحليل كميات هائلة من البيانات وأتمتة مراحل كانت تحتاج في السابق إلى عدد كبير من الخبراء.
وتظهر مؤشرات حديثة على أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل يدخل في عمليات سيبرانية أكثر تعقيداً. فقد أعلنت شركة «أنثروبيك» في سبتمبر عن إساءة استخدام نماذجها في عمليات سيبرانية، بينما حذرت تقارير حديثة من أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تجعل اكتشاف نقاط الضعف في شبكات الطاقة أكثر سرعة وتخفض الكلفة بالنسبة إلى المهاجمين.
المشكلة هنا أن المدافع يحتاج إلى حماية كل نقطة ضعف في الشبكة، بينما يحتاج المهاجم إلى العثور على ثغرة واحدة قابلة للاستغلال. ومع اتساع اعتماد محطات الطاقة والمياه والاتصالات على الأنظمة المتصلة بالشبكة، يتسع معه سطح الهجوم.
هشاشة أميركية من نوع آخر
تكشف هذه المعادلة جانباً من التحدي الأميركي لا يرتبط بنقص التكنولوجيا، بل بتعقيد البنية التحتية نفسها. فالولايات المتحدة تعتمد على آلاف الجهات والمؤسسات العامة والخاصة لإدارة قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، ما يجعل توحيد معايير الحماية والاستجابة للأزمات مهمة شديدة التعقيد.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن شركات الطاقة تواجه بالفعل ارتفاعاً في مخاطر الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع توسع رقمنة شبكات الطاقة وربط أنظمة التشغيل التقليدية بالأنظمة الحديثة. وتبقى المنشآت الصغيرة، التي تعمل بميزانيات محدودة وبمعدات قديمة، أكثر تعرضاً لمثل هذه المخاطر.
ولا يعني ذلك أن الصين تملك مفتاحاً جاهزاً لتعطيل الولايات المتحدة، أو أن كل اختراق لشبكة أميركية يمثل مقدمة لهجوم استراتيجي. لكن الخطر الذي تناقشه نيوبيرغر يتعلق بتراكم القدرة على الوصول إلى عدد كبير من الشبكات الحيوية، بما يخلق في لحظة الأزمة مجموعة من الخيارات يمكن استخدامها للضغط أو الإرباك.
تتجاوز أهمية هذا التحول الولايات المتحدة والصين. فإذا كانت القوة الجيوسياسية في القرن العشرين ارتبطت بالسيطرة على الأرض والممرات البحرية ومصادر الطاقة، فإن جزءاً من قوة القرن الحادي والعشرين قد يرتبط بالقدرة على التأثير في الأنظمة التي تعتمد عليها هذه الموارد.
وهنا تصبح «نقطة الاختناق الرقمية» أكثر اتساعاً من المضيق البحري. فإغلاق هرمز يؤثر في حركة النفط والسفن، لكن اختراق شبكة الميناء أو نظام إدارة الطاقة أو الاتصالات يمكن أن يعطل سلسلة كاملة من العمليات من دون إغلاق الميناء فعلياً.
وهذا لا يجعل الحرب السيبرانية بديلاً عن القوة العسكرية التقليدية، بل يجعلها طبقة إضافية فوقها. وفي أزمة كبرى، يمكن للهجوم السيبراني أن يسبق العمل العسكري أو يتزامن معه، وأن يخلق حالة من الإرباك قبل أن تتضح الجهة التي تقف وراءه.
معركة الدفاع تبدأ قبل الهجوم
المفارقة أن الولايات المتحدة لا تواجه هذه المخاطر من موقع متأخر تكنولوجياً. فهي تمتلك شركات رائدة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، كما تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لاختبار الشبكات واكتشاف نقاط الضعف ومحاكاة الهجمات.
لكن التحدي يكمن في تحويل التفوق التكنولوجي إلى قدرة مؤسسية. فامتلاك أدوات متقدمة لا يكفي إذا بقيت البنية التحتية موزعة بين آلاف المشغلين، أو إذا ظلت المعدات القديمة متصلة بشبكات حديثة، أو إذا كان اكتشاف الاختراق أسرع من القدرة على احتوائه.
وتقترح نيوبيرغر أن تستخدم الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي لاختبار أنظمتها بصورة مستمرة، ورسم خرائط لنقاط الضعف، وتقليل كلفة حماية البنية التحتية.
وبذلك، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول من يملك أكبر عدد من الصواريخ أو السفن، وإنما حول من يستطيع حماية أكثر الشبكات حيوية عندما تصبح التكنولوجيا نفسها ساحة مواجهة.
لقد احتاجت القوى الكبرى لعقود حتى تفهم أن مضيقاً بحرياً صغيراً يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي. أما في العصر الرقمي، فقد يكون «المضيق» موجوداً داخل غرفة تحكم بعيدة، وقد لا يعرف الجمهور أنه تعرض للهجوم إلا بعد أن تنطفئ الأنوار أو تتوقف الاتصالات أو تتعطل الخدمات.
ومن هنا تأتي دلالة «هرمز الرقمي»: الاختناق الاستراتيجي لم يعد يحتاج إلى جغرافيا؛ يكفي أن يكون هناك نظام لا يستطيع الاقتصاد الحديث الاستغناء عنه.
