تونس – لا يبدو اللقاء الذي جمع وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي بقائد الأسطول السادس الأميركي الأميرال جيفري أندرسون مجرد محطة بروتوكولية على هامش تمرين عسكري متعدد الأطراف، إذ يأتي في وقت تتجه فيه تونس إلى توسيع مفهوم تعاونها البحري مع الولايات المتحدة، من التدريب والدعم الفني إلى مجالات أكثر ارتباطا بالاستخبارات والجاهزية والاستجابة للتهديدات في المجال البحري.
ويكتسب اللقاء دلالته من تزامنه مع احتضان تونس فعاليات تمرين «الفنيق السريع 26»، الذي تشارك فيه نحو 12 دولة من شمال أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة. كما أن استمرار التمرين للعام الخامس على التوالي يبرز موقع تونس كطرف قادر على استضافة تدريبات عسكرية متعددة الجنسيات، ويمنح التعاون البحري التونسي-الأميركي بعدا إقليميا يتجاوز العلاقات الثنائية.
وبحسب وزارة الدفاع التونسية، ركز السهيلي خلال اللقاء على تطلعات بلاده إلى توسيع التعاون في مجال الاستجابة للتهديدات البحرية وتعزيز الاستخبارات وتطوير قدرات القوات البحرية ورفع جاهزيتها. ويعكس ذلك انتقال الاهتمام إلى تحديات لا تتوقف عند التهديدات العسكرية التقليدية، وإنما تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار بالبشر والتهريب والمخدرات.
وتحاول تونس، في هذا السياق، تثبيت موقعها باعتبارها طرفا أمنيا فاعلا في منطقة المتوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن شبكة علاقاتها العسكرية مع دول المنطقة وشركائها الغربيين. ويقدم احتضان «الفنيق السريع» نموذجا لهذا الدور، إذ يجمع التمرين قوات ومراقبين من الجزائر وليبيا والمغرب ومصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وجورجيا والولايات المتحدة، إلى جانب تونس.
وتحمل مشاركة هذا العدد من الدول أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، لأنها تضع قواتها البحرية في بيئة تدريبية متعددة الجنسيات، وتتيح اختبار مستوى التنسيق والتكامل بين قوات مختلفة في التعامل مع سيناريوهات مرتبطة بالأمن البحري. كما تمنح الجيش التونسي فرصة لتطوير الخبرات والاستفادة من تجارب شركائه في مجالات التدريب والتكوين والعمليات البحرية.
وتبدو واشنطن بدورها مهتمة بالحفاظ على هذا المسار. فقد أشاد قائد الأسطول السادس الأميركي بالتعاون العسكري مع تونس وبالكفاءات والقدرات التدريبية التي يمتلكها جيش البحر التونسي، فيما أكد التزام الإدارة الأميركية بمواصلة تعزيز التعاون والارتقاء به ودعم القدرات البحرية التونسية بما يخدم مصالح الطرفين والأمن الإقليمي.
ويضع ذلك التعاون البحري في إطار أوسع للعلاقة العسكرية بين تونس والولايات المتحدة، التي تصفها وزارة الدفاع التونسية بأنها شراكة طويلة الأمد تقوم على الثقة والاحترام المتبادلين وتقاسم المصالح. ولا يقتصر هذا التعاون، وفق الوزارة، على الإسناد اللوجستي والتقني، بل يشمل التدريب والتكوين وتبادل الخبرات والتمارين المشتركة.
استمرار التمرين للعام الخامس يبرز موقع تونس كطرف قادر على استضافة تدريبات متعددة الجنسيات، ويمنح التعاون البحري التونسي-الأميركي بعدا إقليميا
لكن البعد الأبرز في التطور الحالي يتمثل في محاولة الانتقال من بناء القدرات إلى تعزيز القدرة على التعامل مع بيئة بحرية أكثر تعقيدا. فالمجال المتوسطي بات يتقاطع فيه أمن الحدود مع أمن طرق الملاحة ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، فضلا عن التحديات المرتبطة بالتغيرات الجيوسياسية في المنطقة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة حضور الأسطول السادس الأميركي في تونس ضمن تعاون يركز بصورة أكبر على المجال البحري، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولا في طبيعة السياسة الدفاعية التونسية التي تتسم بالحياد. فالمعلن رسميا يظل التعاون في مجالات التدريب وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات ومواجهة التهديدات المشتركة.
وتسعى تونس في المقابل إلى توظيف هذه الشراكات لتطوير قدراتها الذاتية، وهو ما يظهر في تركيز وزير الدفاع على مركز الامتياز لقوات طلائع البحرية ودور البلاد المحتمل كقطب إقليمي في مجال التدريب والتكوين العسكري. ويمنح هذا التوجه تونس فرصة لتثبيت حضورها في منظومة التدريب البحري الإقليمي، خصوصا مع قدرتها على جمع شركاء من ضفتي المتوسط ودول من شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
كما أن مشاركة الجزائر وليبيا والمغرب ومصر، إلى جانب القوى الأوروبية والولايات المتحدة وتركيا، تجعل من «الفنيق السريع» مساحة للتنسيق بين دول تختلف في حساباتها السياسية والأمنية، لكنها تتقاطع في عدد من تحديات المجال البحري. ومن شأن استمرار هذه التمارين أن يوفر إطارا عمليا لتبادل الخبرات وتعزيز قابلية العمل المشترك.
وبذلك، لا تقتصر أهمية اللقاء التونسي-الأميركي على مضمون التعاون الثنائي، بل ترتبط أيضا بالدور الذي تريد تونس أن تؤديه في محيطها البحري. فبينما تؤكد واشنطن استمرار دعم القدرات البحرية التونسية، تحاول تونس توسيع قدراتها وشبكة شراكاتها بما يجعل البحر جزءا أكثر حضورا في سياستها الأمنية والدفاعية.
ويشير هذا المسار إلى أن التعاون مع الولايات المتحدة يتجه إلى التركيز بصورة أكبر على البحر، ليس باعتباره ساحة عسكرية فحسب، وإنما باعتباره مجالا تتقاطع فيه حماية الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة والتدريب وتبادل المعلومات والاستجابة للأزمات. وفي هذا الإطار، تبدو تونس معنية بتحويل موقعها في المتوسط إلى عنصر إضافي في بناء قدراتها وشراكاتها، بينما تجد واشنطن في التعاون مع الجيش التونسي إطارا لدعم أمن إقليمي يقوم على الشراكات والتدريب ورفع الجاهزية.
