واشنطن – مع اقتراب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تجد السلطة الفلسطينية نفسها مرة أخرى أمام عائق أميركي يحول دون حضور رئيسها محمود عباس شخصيًا إلى المنبر الأممي. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تمديد إجراءات حظر التأشيرات المفروضة على مسؤولين في السلطة الفلسطينية وأعضاء في منظمة التحرير، في خطوة تعني استمرار منع عباس من السفر إلى نيويورك للعام الثاني على التوالي، بينما تتجه الأنظار إلى إمكانية السماح له بمخاطبة الجمعية العامة عبر كلمة مسجلة.
وتكتسب الخطوة أهمية تتجاوز مسألة التأشيرة نفسها، لأنها تأتي عشية اجتماع سنوي يفترض أن يشكل إحدى أبرز ساحات التعبير الدبلوماسي للدول والأطراف المعترف بها في النظام الدولي. وبينما تستعد وفود العالم للوصول إلى نيويورك، يبدو الحضور الفلسطيني مجددًا مقيدًا بقرار تتخذه الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، ما يضع العلاقة بين واشنطن والسلطة الفلسطينية أمام اختبار جديد بشأن حدود المشاركة الفلسطينية في المحافل الدولية.
وتقول واشنطن إن قرارها يستند إلى اعتبارات تتصل بسلوك السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، متهمة الطرفين باتخاذ خطوات من شأنها تدويل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بما في ذلك التحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والسعي إلى اعترافات أحادية الجانب بالدولة الفلسطينية، فضلًا عن اتهامات أميركية أخرى تتعلق بدعم الإرهاب. وهذه المبررات تمثل موقف الإدارة الأميركية، في وقت يرفض المسؤولون الفلسطينيون هذا النهج ويتمسكون بأن المسار الدبلوماسي والقانوني الدولي جزء من أدوات السعي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة مسألة العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية. فواشنطن ظلت لعقود طرفًا رئيسيًا في جهود التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنها في الوقت نفسه تستخدم أدوات دبلوماسية وقانونية للضغط على السلطة عندما ترى أن تحركاتها تتعارض مع رؤيتها لمسار التسوية أو مع المصالح الأميركية والإسرائيلية. ومن ثم، فإن منع عباس من الوصول إلى نيويورك لا ينفصل عن خلاف أوسع حول الوسائل التي ينبغي أن تستخدمها القيادة الفلسطينية للوصول إلى هدف الدولة.
وتبرز هنا مفارقة لافتة. فالولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك، بينما تنص اتفاقية المقر الموقعة عام 1947 بصورة عامة على تسهيل وصول الدبلوماسيين والممثلين إلى المنظمة الدولية. غير أن واشنطن تتمسك بوجود استثناءات تسمح لها برفض التأشيرات لأسباب تتعلق بالأمن أو التطرف أو اعتبارات السياسة الخارجية. وتقول الخارجية الأميركية إن هذه الاعتبارات تبرر الإجراءات الحالية، في حين تثير الخطوة تساؤلات بشأن حدود سلطة الدولة المضيفة عندما يتعلق الأمر بمشاركة ممثلي كيان يتمتع بوضع رسمي داخل الأمم المتحدة.
تكرار المنع يكشف عن تحول المسألة من إجراء استثنائي إلى نمط من القيود التي تطال الحضور الفلسطيني في أهم محفل دبلوماسي دولي
ولا تتمتع فلسطين بعضوية كاملة في الأمم المتحدة، لكنها تحمل صفة دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة، وهو وضع يمنحها حضورًا دبلوماسيًا في المنظمة الدولية دون حق التصويت كالدول الأعضاء. وقد سمحت الجمعية العامة لعباس في العام الماضي بإلقاء كلمته عبر الفيديو بعد تعذر سفره إلى نيويورك، فيما يتجه الأمر هذا العام إلى تكرار صيغة المشاركة عن بعد إذا حصل المقترح على موافقة الجمعية.
ويكشف تكرار المنع عن تحول المسألة من إجراء استثنائي إلى نمط من القيود التي تطال الحضور الفلسطيني في أهم محفل دبلوماسي سنوي. فحرمان الرئيس الفلسطيني من الوصول شخصيًا إلى نيويورك لا يمنع الوفد الفلسطيني من التعبير عن مواقفه داخل المنظمة، لكنه يقلص مستوى الحضور السياسي للقيادة الفلسطينية ويجعل خطابها أمام قادة العالم مرتبطًا بصيغة استثنائية تفرضها ظروف السفر والتأشيرات.
وفي المقابل، تواصل السلطة الفلسطينية الدفاع عن خيار تدويل القضية، خصوصًا في ظل تعثر المسارات التفاوضية التي رعتها الولايات المتحدة على مدى عقود. ويرى المسؤولون الفلسطينيون أن اللجوء إلى المؤسسات الدولية والاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية يمثلان أدوات سياسية وقانونية متاحة أمامهم، في وقت لم يؤد المسار التفاوضي إلى إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق رؤيتهم.
وتصبح نيويورك، في هذه الحالة، أكثر من مجرد محطة سنوية للدبلوماسية الفلسطينية. فهي تتحول إلى ساحة تعكس طبيعة الخلاف بين واشنطن والسلطة حول مستقبل القضية الفلسطينية وأدوات إدارتها دوليًا. فبينما تريد الإدارة الأميركية ربط التحرك الفلسطيني بمسار سياسي وشروط تراها ضرورية لاستئناف عملية السلام، تحاول السلطة توسيع نطاق الاعتراف الدولي بالقضية والدولة الفلسطينية والاستفادة من المؤسسات الأممية والقضائية.
ومن شأن استمرار هذه القيود أن يضع المشاركة الفلسطينية في الجمعية العامة أمام معادلة جديدة: حضور دبلوماسي قائم، لكن مع قيود على وصول القيادة السياسية العليا إلى مقر المنظمة الدولية. وبينما يبقى القرار النهائي بشأن السماح لعباس بإلقاء كلمة مسجلة بيد الجمعية العامة، فإن مجرد انتقال المشاركة الفلسطينية من الحضور الشخصي إلى الخطاب المصور للسنة الثانية يسلط الضوء على اتساع الفجوة بين واشنطن والسلطة الفلسطينية، وعلى تحول التأشيرة الأميركية إلى إحدى أدوات إدارة هذا الخلاف.
وبذلك، لا تبدو قضية عباس في نيويورك منفصلة عن المعركة الأوسع حول مستقبل التمثيل الفلسطيني وحدود الحركة الدبلوماسية للسلطة. فواشنطن لا تغلق الباب أمام وجود فلسطيني في الأمم المتحدة، لكنها تضع قيودًا على مستوى المشاركة وشخصية المتحدث، في وقت تحاول فيه السلطة الحفاظ على موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي. وبين الباب الأميركي المغلق أمام السفر، والمنبر الأممي المفتوح أمام الخطاب المسجل، تتجسد واحدة من أكثر مفارقات الدبلوماسية الفلسطينية وضوحًا في المرحلة الراهنة.
