واشنطن– حذر مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس، من أن الذكاء الاصطناعي أصبح «قوياً بما يكفي» لدفع أحداث قد تؤدي إلى وفاة مليار إنسان. جاء ذلك في مقابلة مع برنامج «ميت ذا برس» على شبكة إن.بي.سي، من المقرر بثها كاملاً نهاية الأسبوع، حيث وصف غيتس الجمع بين النوايا السيئة وأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي بأنه «أقوى سلاح لم يشهده العالم من قبل»
.
لم يكن التحذير مجرد تعبير بلاغي. أكد غيتس أن التنظيم الذاتي الذي تعتمده شركات التكنولوجيا غير كافٍ على الإطلاق. وقال بصراحة «لا أحد يعتقد أن التنظيم الذاتي يكفي. تحتاج إلى أجهزة إنفاذ القانون والسياسيين للدخول في النقاش حول ما يجب أن تبدو عليه الضمانات والمراقبة، ويجب أن يكون ذلك أمراً إلزامياً».
وأضاف أن هذه المتطلبات ستكون «عبئاً بسيطاً» على الصناعة، ولن تؤدي إلى تباطؤ درامي في التقدم.
ويأتي هذا التصريح في سياق تحول ملحوظ في موقف غيتس. فبعد سنوات من التفاؤل النسبي تجاه قدرات الذكاء الاصطناعي على تحسين الطب والتعليم والزراعة، أصبح اليوم أكثر حذراً وتشاؤماً.
وفي مقال طويل نشره في أغسطس الماضي على موقعه الشخصي، حذر من أن الذكاء الاصطناعي سيشهد واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ البشري، مشيراً إلى مخاطر فقدان الوظائف الدائم، وإساءة الاستخدام المتعمد، وإمكانية أن تتصرف الأنظمة المتقدمة ضد المصالح البشرية.
أما التحذير الجديد المتعلق بالمليار وفاة فيركز على الجانب الأمني الوجودي. ويرى غيتس أن الأدوات الحالية يمكن أن تُستخدم في هجمات سيبرانية واسعة النطاق، أو نشر معلومات مضللة على نطاق غير مسبوق، أو حتى تسهيل عمليات إرهابية بيولوجية أو كيميائية.
وفي عالم متصل رقمياً، يمكن لفاعل واحد أو مجموعة صغيرة أن تسبب أضراراً كارثية إذا استغلت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في التخطيط والتنفيذ.
ويتوافق هذا القلق مع تحذيرات متزايدة من داخل صناعة التكنولوجيا نفسها. موظفون في شركات كبرى مثل أنثروبيك تحدثوا عن احتمالات مرتفعة نسبياً لسيناريوهات كارثية، بينما دعا باحثون وقادة آخرون إلى إبطاء التطوير أو فرض ضوابط أشد.
وفي الوقت نفسه، تشهد الساحة السياسية ضغوطاً متزايدة. ففي الولايات المتحدة، يتصاعد النقاش حول تشريعات فيدرالية، بينما فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل قواعد صارمة تتضمن غرامات تصل إلى 3% من الإيرادات العالمية للشركات المخالفة.
لكن التحذير ليس أحادي الجانب. يؤكد غيتس نفسه أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة لتحسين حياة البشرية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم. المشكلة، كما يراها، تكمن في غياب الاستعداد المؤسسي والسياسي. يقول إن القادة والخبراء والمجتمعات لا يواجهون التحديات بالجدية الكافية، وإن الفترة الانتقالية ستكون مضطربة حتى في أفضل السيناريوهات.
ويعكس تصريح غيتس توتراً جوهرياً في عصر الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، تتسارع الشركات في تطوير نماذج أكثر قوة بحثاً عن الميزة التنافسية والأرباح. ومن جهة أخرى، تتزايد المخاوف من أن هذه السرعة تتجاوز قدرة المجتمعات والحكومات على وضع أطر الحماية.
التاريخ يعلمنا أن التقنيات الثورية، من الطاقة النووية إلى الإنترنت، جاءت معها مخاطر جديدة تطلبت تكيفاً مؤسسياً كبيراً. لكن الذكاء الاصطناعي يختلف في سرعته واتساع تأثيره، إذ يمس تقريباً كل مجال من مجالات الحياة البشرية.
ويرى غيتس أن الجواب يكمن في تعاون دولي، بما في ذلك مع الصين، لأن التحدي عالمي بطبيعته. كما يدعو إلى آليات مراقبة إلزامية تضمن عدم استخدام النماذج المتقدمة لأغراض ضارة. في الوقت نفسه، يشدد على أن التدابير يجب ألا تخنق الابتكار المفيد، خاصة في المجالات التي يمكن أن تنقذ أرواحاً.
أما على مستوى الرأي العام، فإن مثل هذه التصريحات من شخصية بحجم غيتس تضفي ثقلاً على النقاش. فقد كان يُنظر إليه طويلاً كصوت متفائل نسبياً داخل عالم التكنولوجيا. عندما يحذر الآن بهذا الوضوح من سيناريوهات المليار وفاة، يصبح من الصعب تجاهل الرسالة.
ويتوقع مراقبون أن يؤدي ذلك إلى ضغط إضافي على المشرعين في واشنطن وبروكسل وبكين لتسريع وضع قواعد أكثر صرامة.ومع ذلك، يبقى التحدي كبيراً. فالذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة أسرع من القدرة التشريعية التقليدية. والنماذج الجديدة تظهر كل بضعة أشهر بقدرات متزايدة. في هذا السياق، يبدو تحذير غيتس بمثابة دعوة عاجلة إلى اليقظة. ليس دعوة للذعر، بل للتوازن بين الإمكانات الهائلة والمخاطر الوجودية.
يلخص غيتس المعادلة بقوله إن الذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أداة مساواة اخترعها الإنسان، أو أسوأ مصدر للظلم. والاختيارات التي تُتخذ اليوم، سواء على مستوى التنظيم أو الاستثمار أو التعاون الدولي، ستحدد أي السيناريوهين يسود. ومع تحذيره من إمكانية التسبب في مليار وفاة، يضع غيتس الكرة بقوة في ملعب الحكومات والشركات والمجتمع ككل. الوقت لم يعد في صالح التردد.
