هذا السؤال ربما يبدو مبالغاً فيه، لكنه موجود عند كثير من الشباب الذين يستعدون لدخول سوق العمل
وائل إسماعيل
لم أكن أفكر كثيراً في الذكاء الاصطناعي قبل سنوات. كان بالنسبة إليّ شيئاً نسمع عنه في الأخبار أو نشاهده في أفلام الخيال العلمي. أما اليوم، فأنا أستخدمه تقريباً كل أسبوع، وأحياناً كل يوم. أطلب منه أن يشرح لي فكرة لم أفهمها، أو يساعدني في كتابة نص، أو يقترح أفكاراً لمشروع. في البداية كنت أشعر أنني اكتشفت أداة سحرية. ثم بدأت أشعر بسؤال مختلف: إذا كان يستطيع أن يفعل كل هذه الأشياء، فماذا سيبقى لي أنا؟
هذا السؤال ربما يبدو مبالغاً فيه، لكنه موجود عند كثير من الشباب الذين يستعدون لدخول سوق العمل. نحن جيل درس لسنوات حتى يحصل على شهادة، وقيل لنا إن الشهادة والخبرة واللغة والحاسوب ستساعدنا في الحصول على وظيفة جيدة. لكن سوق العمل نفسه يتغير بسرعة. وظائف كانت تحتاج إلى فريق كامل يمكن أن يقوم بجزء منها شخص واحد يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي. الترجمة، التصميم، كتابة المحتوى، خدمة العملاء، البرمجة وحتى بعض الأعمال الإدارية أصبحت تدخلها التكنولوجيا بطريقة لم نكن نتوقعها.
المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي موجود. بالعكس، ربما يكون واحداً من أفضل الأشياء التي حدثت لجيلنا. المشكلة أننا لا نعرف دائماً كيف نستعد له.
في الجامعة، ما زلنا نتعلم أحياناً بالطريقة نفسها التي كان يتعلم بها طلاب قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. نحفظ المعلومات وننجح في الامتحان ثم نكتشف بعد التخرج أن سوق العمل يريد منا شيئاً آخر: أن نفكر، وأن نحل المشكلات، وأن نتعلم بسرعة، وأن نعمل مع الآخرين، وأن نستخدم التكنولوجيا بدل أن نخاف منها.
ربما لهذا السبب لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟». السؤال الأهم هو: «هل سنتعلم كيف نعمل معه؟»
هناك فرق كبير بين الاثنين.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدني في كتابة نص، لكنه لا يعرف بالضرورة لماذا أريد أن أكتب هذا النص، ولا يعرف تجربتي الشخصية، ولا يستطيع أن يعيش مكاني. يمكنه أن يقترح فكرة لمشروع، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده إن كانت هذه الفكرة مناسبة لمدينتي أو مجتمعي أو الأشخاص الذين أعرفهم. يستطيع أن يعطيني إجابات كثيرة، لكن عليّ أن أعرف أيها صحيح وأيها خاطئ.
وهنا ربما تكون المهارات الإنسانية أكثر أهمية مما كنا نظن. القدرة على التفكير، والسؤال، والتواصل، والإبداع، وفهم الناس، وتحمل المسؤولية. ربما لن يكون المستقبل للإنسان الذي يعرف كل شيء، لأن الآلة ستعرف أشياء كثيرة، وإنما للإنسان الذي يعرف كيف يستخدم ما توفره الآلة بطريقة ذكية.
لكن هناك مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في تونس والعالم العربي. ليست كل الجامعات والمدارس والطلاب في المستوى نفسه من الوصول إلى التكنولوجيا. هناك شاب لديه حاسوب سريع واتصال جيد بالإنترنت ودورات تدريبية وأصدقاء يعملون في التكنولوجيا، وهناك شاب آخر ربما لا يمتلك سوى هاتفه. إذا دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى سوق العمل، فقد تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة اجتماعية أكبر.
وهذا يجعل مسؤولية الدولة والجامعات والشركات مهمة جداً. لا يكفي أن نقول للشباب: «تعلموا الذكاء الاصطناعي». يجب أن نمنحهم فرصة حقيقية لتعلمه، وأن نحدث المناهج، وأن نشجع التدريب، وأن نساعد الشركات الصغيرة على استخدام التكنولوجيا، وأن نخلق بيئة يستطيع فيها الشاب أن يجرب مشروعاً من دون أن يخاف من الفشل منذ البداية.
أما نحن، فلا أعتقد أن أمامنا خياراً حقيقياً اسمه تجاهل التكنولوجيا. العالم لن ينتظرنا حتى نشعر بالاستعداد.
ربما يكون علينا أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي مثلما تعامل جيل سابق مع الإنترنت. في البداية كان هناك خوف من أن يدمر بعض الوظائف، ثم أصبح الإنترنت جزءاً من كل شيء تقريباً. ظهرت وظائف جديدة لم تكن موجودة أصلاً، وأصبح من الصعب تخيل الحياة من دونه.
وقد يحدث الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي.
ربما تختفي بعض الوظائف، وهذا أمر يجب أن نكون صريحين بشأنه. لكن وظائف جديدة ستظهر أيضاً، وربما لن نعرف أسماء بعضها اليوم. المشكلة أن الوظائف الجديدة تحتاج إلى مهارات جديدة، وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية.
أنا لا أعرف إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظيفتي المستقبلية. ربما يفعل، وربما يساعدني في الحصول عليها. لكنني بدأت أفهم شيئاً واحداً: الخوف منه لن يحمي مستقبلي.
الأفضل أن أتعلمه.
لأن المستقبل قد لا يكون للذكاء الاصطناعي وحده، ولا للإنسان وحده، بل لمن يعرف كيف يجعل الاثنين يعملان معاً.
