بغداد – دخل العراق مرحلة جديدة مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي في نهاية سبتمبر، لتطوي البلاد صفحة امتدت لأكثر من عقدين من الوجود العسكري الأميركي، وتفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر تعقيداً من مجرد مغادرة القوات الأجنبية: من يملأ المساحة التي تركتها، ومن يملك القرار الأمني في العراق؟
وفي الوقت الذي احتفلت فيه الفصائل المسلحة بخروج آخر الجنود الأميركيين، فإنها لم تتعامل مع الانسحاب باعتباره مقدمة تلقائية لتسليم السلاح إلى الدولة. على العكس، أكدت قوى مسلحة نافذة تمسكها بترسانتها، ورفضت الالتزام بجدول زمني حكومي لنزع السلاح، فيما طرحت فكرة تنظيم العلاقة مع الدولة على نحو يمنحها دوراً في القرار الأمني.
وتكشف هذه المفارقة عن انتقال التحدي العراقي من مواجهة الوجود العسكري الأميركي إلى اختبار قدرة مؤسسات الدولة نفسها على إدارة الأمن، ومنع تعدد مراكز القوة من التحول إلى واقع دائم.
وكانت كتائب حزب الله، إحدى أبرز الفصائل المقربة من إيران، قد نفت التوصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن نزع السلاح، وقالت إن ما تسميه «المقاومة» لا تخضع لجدول زمني تحدده الحكومة. كما أعلنت «المقاومة الإسلامية في العراق» أن مفاوضاتها بشأن تنظيم السلاح لم تؤد إلى اتفاق نهائي.
وتتعامل الفصائل مع خروج القوات الأميركية باعتباره نتيجة مباشرة لسنوات من الضغط العسكري والسياسي على واشنطن، وهو خطاب عززته في احتفالاتها بانتهاء مهمة التحالف.
وقال أبو مجتبى اليسيري، أحد قادة «المقاومة الإسلامية في العراق»، إن الانسحاب يمثل «انتصاراً تاريخياً» للفصائل، فيما قال الأمين العام لكتائب حزب الله أبوالحسين الحميداوي إن «المقاومة» انتصرت في هذه الجولة.
انتقال التحدي العراقي من مواجهة الوجود العسكري الأميركي إلى اختبار قدرة مؤسسات الدولة غلى منع تعدد مراكز القوة من التحول إلى واقع دائم.
ويعطي هذا الخطاب الانطباع بأن الفصائل لا ترى أن نهاية المهمة الأميركية تعني نهاية دورها، بل ربما العكس. فمغادرة القوات الأجنبية تزيل أحد أهم العوامل التي حدت من هامش حركتها خلال السنوات الماضية، وتترك المجال أمامها لإعادة طرح نفسها باعتبارها جزءاً من معادلة الأمن القومي، وليس مجرد قوة مسلحة خارج المؤسسات الرسمية.
وتشير قراءة رويترز إلى أن مجموعات موالية لإيران قد تسعى بعد الانسحاب إلى ترجمة الزخم الذي حققته إلى نفوذ أكبر في القرارات الأمنية والسياسية، في وقت تخشى فيه شخصيات عراقية من أن يؤدي غياب الدعم العسكري والاستخباري الأميركي إلى اتساع مساحة الفراغ.
في المقابل، تريد الحكومة العراقية تقديم مرحلة ما بعد الانسحاب باعتبارها بداية فعلية للسيادة الكاملة، وربط رئيس الوزراء علي الزيدي ذلك مباشرة بملف السلاح.
وقال الزيدي إن الأول من أكتوبر يمثل «بداية جادة» لمعالجة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، مؤكداً التزام الحكومة بمسار يهدف إلى إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية بحلول 30 يونيو 2027.
كما شدد على أن الدستور يضع قرار الحرب والسلم في يد السلطات الدستورية، وأن الأراضي والأجواء العراقية يجب ألا تستخدم قاعدة لشن أعمال تهدد الدول المجاورة. وأعلن في الوقت نفسه أن الحكومة ستعمل على استكمال بناء منظومة للدفاع الجوي وتعزيز السيطرة على المجال الجوي.
لكن تمديد المهلة إلى يونيو المقبل يعكس أيضاً صعوبة فرض هذا القرار في مواجهة فصائل تمتلك نفوذاً سياسياً وشبكات عسكرية راسخة.
وكانت الحكومة قد حددت في يونيو الماضي نهاية سبتمبر موعداً أولياً لإنهاء ملف السلاح، لكن اقتراب موعد الانسحاب الأميركي كشف حجم التباين بين مكونات المشهد المسلح، لتنتقل المهلة إلى العام المقبل.
المشكلة التي تواجهها بغداد ليست في وجود السلاح فقط، وإنما في تعريف موقع حامليه داخل الدولة. فبعض الفصائل تقول إنها جزء من المنظومة الأمنية الرسمية من خلال هيئة الحشد الشعبي، بينما تريد الحكومة أن يكون حمل السلاح واستخدامه خاضعين بصورة كاملة لقرار القائد العام للقوات المسلحة.
وتزداد المسألة تعقيداً مع وجود فصائل أعلنت أنها مستعدة لتسليم أو إعادة تنظيم جزء من تشكيلاتها، بينما تصر قوى أخرى على الاحتفاظ بسلاحها باعتباره ضمانة سياسية وأمنية.
وهنا يظهر الخلاف الحقيقي: هل يمكن دمج هذه القوى في مؤسسات الدولة من دون أن تحتفظ بقدرتها المستقلة على اتخاذ القرار العسكري، أم أن أي صيغة تمنحها نفوذاً موازياً ستبقي تعدد مراكز القوة قائماً؟
ويبدو أن هذا السؤال هو الذي سيحدد شكل العراق بعد الانسحاب أكثر من مغادرة الجنود الأميركيين نفسها.
ولا يقتصر أثر الانسحاب على الفصائل. فقد حذرت شخصيات أمنية عراقية وكردية من أن تقليص الدعم الأميركي في مجالات الاستخبارات والطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي يمكن أن يخلق مساحة لتحرك تنظيم الدولة، حتى بعد خسارته مناطق سيطرته الأساسية.
وقال مسؤولون أمنيون عراقيون إن خلايا نائمة لتنظيم الدولة ما زالت موجودة، فيما تحدث قائد كردي عن مؤشرات على تحركات جديدة للخلايا منذ الإعلان عن الانسحاب. وتخشى أطراف عراقية من أن يؤدي ضعف القدرات الاستخبارية والاستطلاعية إلى تكرار ثغرات أمنية مشابهة لتلك التي استفاد منها التنظيم قبل عام 2014.
وهذا يجعل الحكومة أمام معادلة مزدوجة: عليها أن تقلص اعتمادها على القوات الأجنبية، وفي الوقت نفسه أن تمنع الفراغ الأمني من التحول إلى فرصة للفصائل أو التنظيمات المتشددة.
وفي مقابل الخطاب الذي يصور الانسحاب باعتباره نهاية النفوذ الأميركي، فإن العلاقة بين بغداد وواشنطن لم تنته. فالوجود العسكري المباشر يتراجع، لكن التعاون الأمني والاستخباري والتدريب يستمران ضمن ترتيبات جديدة.
كما تحتفظ الولايات المتحدة بنفوذ اقتصادي مهم في العراق؛ إذ ما تزال عائدات النفط العراقية تمر عبر منظومة مالية مرتبطة بالولايات المتحدة، بما يمنح واشنطن أدوات تأثير تتجاوز الوجود العسكري. وتشكل عائدات النفط نحو 90 في المئة من موازنة الدولة العراقية.
وبذلك لا تبدو مرحلة ما بعد الانسحاب انتقالاً بسيطاً من نفوذ أميركي إلى نفوذ عراقي خالص، وإنما إعادة توزيع لعناصر القوة بين الحكومة والفصائل وإيران والولايات المتحدة.
وتريد بغداد أن تحول الانسحاب الأميركي إلى نقطة انطلاق لترسيخ مفهوم جديد للسيادة، تكون فيه الدولة صاحبة القرار النهائي في الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية. لكن الفصائل، التي احتفلت بمغادرة القوات الأميركية، تبدو مستعدة للتمسك بموقعها العسكري والسياسي، حتى لو جرى تغيير صيغة هذا الموقع.
وتكمن المفارقة في أن السيادة التي تحتفي بها جميع الأطراف قد تحمل تعريفات مختلفة. فبالنسبة إلى الحكومة، تعني احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. وبالنسبة إلى الفصائل، تعني التخلص من القوات الأجنبية مع الإبقاء على «المقاومة» باعتبارها مكوناً من مكونات الأمن الوطني.
ولهذا فإن العراق يدخل بعد الانسحاب الأميركي اختبار السيادة الأصعب: ليس كيف يملأ غياب الأميركيين، وإنما كيف تملأ الدولة نفسها الفراغ من دون أن تتركه لقوى مسلحة أخرى، وكيف تبني قدرة أمنية مستقلة تحمي البلاد من عودة الإرهاب ومن تحوّل تعدد السلاح إلى تعدد في القرارات.
فالانسحاب أنهى وجوداً عسكرياً خارجياً استمر سنوات طويلة، لكنه لم يحسم بعد السؤال الذي سيحدد شكل الدولة العراقية: من يملك السلاح، ومن يملك القرار باستخدامه؟
بهذه الصياغة تصبح الفصائل هي محور الخبر، لكن الحكومة تبقى في مركز الاختبار؛ وهذا يحافظ على الزاوية التي اتفقنا عليها من دون افتراض أن الفراغ الأمني قد امتلأ فعلاً حتى الآن.
