السياسة ليست دائماً صورة شخص يقف خلف منصة ويتحدث لساعات. السياسة موجودة في تفاصيل صغيرة جداً من حياتنا
عبدالغني الرافعي
كلما تحدث الكبار أمامي عن السياسة، أجد نفسي أفتح هاتفي.
ربما هذه الجملة تلخص علاقتي بالسياسة أكثر مما ينبغي. أسمع أسماء الأحزاب، والخلافات، والانتخابات، والبرلمان، والبيانات، ثم أشعر أن الحديث يدور في عالم لا أعرف كيف أدخله. وبعد دقائق أعود إلى هاتفي، إلى شيء أقرب إليّ، مثل مباراة أو فيديو أو حديث مع الأصدقاء.
لكن هل يعني هذا أنني لا أهتم بالسياسة؟
لا أعتقد ذلك.
أنا أهتم بالسياسة عندما أفكر في مستقبلي. أهتم بها عندما أبحث عن عمل ولا أجد. عندما ترتفع الأسعار. عندما أفكر في الجامعة، أو النقل، أو المستشفى، أو الإنترنت، أو فرص السفر. أهتم بها عندما أفكر في الماء والكهرباء والمدينة التي سأعيش فيها بعد عشر سنوات.
ربما المشكلة أنني لا أسمي كل هذه الأشياء «سياسة».
بالنسبة إلى جيلي، السياسة ليست دائماً صورة شخص يقف خلف منصة ويتحدث لساعات. السياسة موجودة في تفاصيل صغيرة جداً من حياتنا، حتى لو لم ننتبه إليها.
لكن هناك مسافة غريبة بين هذه السياسة اليومية وبين السياسة التي نراها على التلفزيون.
أحياناً أشعر أن السياسيين يتحدثون لغة مختلفة عنا. يتحدثون عن المؤسسات والاستراتيجيات والبرامج، بينما نحن نتحدث عن أول وظيفة، وأول راتب، والهجرة، والسكن، ومستقبل العائلة.
نحن لا نريد بالضرورة أن نعرف كل تفاصيل الصراع السياسي. نريد أن نعرف ماذا سيحدث لنا.
وهنا ربما يبدأ السؤال الحقيقي: هل ابتعد الشباب عن السياسة، أم أن السياسة لم تجد دائماً الطريقة المناسبة للوصول إليهم؟
وسائل التواصل الاجتماعي غيرت كل شيء. اليوم يستطيع شاب أن يعرف ما يحدث في بلد آخر خلال دقائق، وأن يناقش قراراً سياسياً مع أشخاص لم يلتق بهم أبداً. لكنه في الوقت نفسه يتعرض لكمية هائلة من الأخبار والمعلومات والشائعات، وأحياناً يصبح من الصعب معرفة ما هو صحيح وما هو مجرد رأي.
وهذا يجعل المشاركة السياسية أصعب وأسهل في الوقت نفسه.
أسهل لأننا نستطيع التعبير عن رأينا من الهاتف.
وأصعب لأن التعبير عن الرأي لا يعني دائماً المشاركة الحقيقية.
قد أكتب تعليقاً غاضباً، أو أنشر صورة، أو أشارك فيديو، ثم أغلق الهاتف وأنسى الموضوع. لكن القرار السياسي سيبقى موجوداً بعد أن أنسى المنشور.
ربما نحتاج إلى أن نفكر في المشاركة السياسية بطريقة أوسع. ليست المشاركة فقط في الانضمام إلى حزب أو خوض الانتخابات. يمكن أن تكون في العمل التطوعي، أو النقاش العام، أو المبادرات المحلية، أو الصحافة، أو الجامعة، أو مشروع يحاول حل مشكلة في الحي.
المهم أن يشعر الشاب أن صوته يمكن أن يتحول إلى شيء حقيقي.
وأعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر: بناء الثقة.
من الصعب أن تطلب من شاب أن يهتم بالشأن العام إذا كان يشعر أن رأيه لا يغير شيئاً. ومن الصعب أيضاً أن يظل بعيداً عن كل شيء ثم يشتكي من أن الآخرين يتخذون القرارات بدلاً منه.
نحن بحاجة إلى الطرفين.
مؤسسات تسمع الشباب بجدية، وشباب مستعدون أيضاً للاستماع والتعلم والمشاركة، وليس فقط الانتقاد.
لا أريد أن أكون سياسياً، وربما كثيرون من جيلي لا يريدون ذلك. لكن هذا لا يعني أننا لا نريد أن يكون لنا رأي في البلد الذي سنعيش فيه معظم حياتنا.
نحن لا نحتاج بالضرورة إلى أن نتحدث مثل السياسيين.
نحتاج فقط إلى أن نبدأ بالكلام عن الأشياء التي تهمنا، وأن نكتشف أن السياسة ليست شيئاً يحدث بعيداً عنا.
فالسياسة هي أيضاً أن نسأل: لماذا لا توجد وظيفة؟ لماذا ترتفع الأسعار؟ لماذا تزدحم المدن؟ لماذا يهاجر الشباب؟ وكيف يمكن أن تكون حياتنا أفضل؟
ربما عندما نفهم ذلك، سنكتشف أننا لم نكن غير مهتمين بالسياسة أصلاً. ربما كنا فقط نبحث عن طريقة تجعل السياسة تتحدث معنا، لا أن تتحدث عنا.
