الهجرة لا تعني بالضرورة أن الإنسان يترك هويته خلفه. أحياناً تعني أن هويته تصبح أكبر
صبري الورتاني
عندما غادرت تونس للمرة الأولى، كنت أعتقد أن أصعب شيء سيكون الغربة. كنت أتخيل أنني سأشتاق إلى البيت، إلى أصدقائي، إلى الأكل الذي أعرفه، وإلى الشوارع التي حفظت تفاصيلها من دون أن أشعر. وهذا حدث فعلاً. لكنني اكتشفت بعد فترة أن هناك شيئاً آخر أصعب من الاشتياق: أن تعود إلى بلدك وتكتشف أنك تغيرت.
في الخارج، بدأت أتعلم أشياء لم أتعلمها في الجامعة. تعلمت كيف أعمل مع أشخاص من ثقافات مختلفة، وكيف أكون أكثر اعتماداً على نفسي، وكيف أتعامل مع الوقت والمال والعمل بطريقة مختلفة. وفي الوقت نفسه، بقيت أشياء كثيرة من تونس معي. لهجتي، ذكرياتي، عاداتي، وحتى طريقة حديثي مع أصدقائي.
لكن عندما عدت في أول زيارة، شعرت بشيء غريب. الأشياء نفسها موجودة، لكنني لم أعد الشخص نفسه.
ربما هذه هي مشكلة الكثير من الشباب الذين يعيشون بين بلدين. في البلد الذي نعيش فيه، يقال لنا أحياناً إننا أجانب. وعندما نعود إلى بلدنا، قد نشعر أن البعض يروننا مختلفين أيضاً. نسمع عبارة مثل «أنت تغيرت»، وكأن التغيير شيء سيئ.
لكن لماذا يجب أن يكون الأمر كذلك؟
الهجرة لا تعني بالضرورة أن الإنسان يترك هويته خلفه. أحياناً تعني أن هويته تصبح أكبر. فأنا أستطيع أن أتعلم لغة جديدة من دون أن أنسى لغتي، وأن أعيش في مجتمع مختلف من دون أن أتخلى عن المكان الذي جئت منه.
المشكلة تبدأ عندما نحاول إجبار الإنسان على الاختيار: إما أن تكون من هنا، أو من هناك.
اليوم يوجد جيل كامل من الشباب يعيش بهذه الطريقة. بعضهم يدرس في الخارج، وبعضهم يعمل، وبعضهم أسس شركة، وبعضهم عاد بعد سنوات، وبعضهم بقي لكنه لا يزال يفكر في العودة. هؤلاء ليسوا مجرد مهاجرين يرسلون المال إلى عائلاتهم. لديهم معرفة وتجارب وعلاقات يمكن أن تكون مفيدة لبلدانهم.
شاب يعمل في شركة تكنولوجية في ألمانيا يمكن أن يساعد شركة تونسية في الوصول إلى السوق الأوروبية. مهندسة درست في فرنسا يمكن أن تنقل خبرة جديدة إلى جامعة أو مؤسسة تونسية. طبيب يعمل في الخارج يمكن أن يساهم في تدريب أطباء شباب في بلده. حتى الشخص الذي يملك شبكة من العلاقات في الخارج يمكن أن يكون جسراً بين مجتمعين.
لكن لكي يحدث ذلك، يجب ألا ننظر إلى الشباب في الخارج فقط باعتبارهم أشخاصاً غادروا. يجب أن نراهم أيضاً باعتبارهم جزءاً من رأس المال البشري للبلد، حتى لو كانوا يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات.
وفي المقابل، على الشباب أنفسهم أن يفكروا في علاقتهم ببلدانهم بطريقة جديدة. ليس ضرورياً أن يعود الجميع بشكل دائم. أحياناً يمكن أن تكون العودة مؤقتة، أو تكون عبر مشروع، أو تعاون، أو تدريب، أو فكرة، أو حتى مساعدة شخص آخر على الوصول إلى فرصة.
ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: «هل ستعود إلى تونس؟»
السؤال الأفضل هو: «ماذا تستطيع أن تفعل لتونس أينما كنت؟»
أنا لا أعرف إن كنت سأعيش دائماً في الخارج. وربما أعود يوماً ما، وربما لا. لكنني لم أعد أعتقد أن هذا هو السؤال الأهم.
فالهوية ليست جواز سفر ولا عنواناً للسكن.
قد أعيش في باريس، لكن جزءاً مني سيبقى في تونس. وقد أعود إلى تونس، لكن جزءاً مما تعلمته في الخارج سيبقى معي.
ربما لسنا جيلاً بين هويتين كما يقال لنا دائماً. ربما نحن الجيل الذي يستطيع أن يحمل هويتين، ويبني بينهما جسراً.
