Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

السعودية تفك "إم بريدج" مع الصين.. أي سر؟

الرياض – اختارت السعودية الانسحاب من مشروع «إم بريدج» الصيني للمدفوعات العابرة للحدود في لحظة شديدة الحساسية ماليا وجيوسياسيا، لتعيد الخطوة طرح سؤال أكبر من مستقبل منصة دفع تعتمد على البلوكتشين: هل كان القرار اقتصاديا وتقنيا خالصا، أم أن اضطراب الموقف الإقليمي وتداعيات الحرب أعادا رسم حدود الانخراط السعودي في مشاريع يمكن أن تقلل الاعتماد على الدولار ونظام «سويفت»؟

المعطى المؤكد أن السعودية انضمت إلى «إم بريدج» كمشارك كامل في 2024، ضمن مشروع شاركت فيه الصين وهونغ كونغ والإمارات وتايلاند وبنك التسويات الدولية، بهدف اختبار منصة تستخدم العملات الرقمية للبنوك المركزية لتسوية المدفوعات العابرة للحدود بصورة أسرع وأقل تكلفة. وأعلنت «ساما» آنذاك أن انضمامها يأتي في إطار جهود تطوير البنية التحتية للمدفوعات العابرة للحدود ودراسة العملات الرقمية للبنوك المركزية.

لكن بنك التسويات الدولية يوضح أن «إم بريدج» وصل إلى مرحلة «المنتج الأدنى القابل للتطبيق» في 2024، قبل أن ينتقل المشروع إلى إدارة المشاركين فيه. وكانت الفكرة الأساسية بناء دفتر أستاذ قائم على تقنية السجلات الموزعة يسمح بإجراء مدفوعات وتسويات مباشرة بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية باستخدام عملاتها الرقمية، بما يقلل التكاليف والتعقيدات المرتبطة بنظام البنوك المراسلة.

وتكتسب المنصة أهميتها السياسية من هذه النقطة تحديدا. فهي ليست بديلا جاهزا للدولار أو لـ«سويفت» بالمعنى الكامل، لكنها تمثل تجربة لبناء مسار مالي دولي لا يعتمد بالطريقة التقليدية نفسها على البنية المالية الغربية. وقد أثار ذلك اهتماما ومخاوف في آن واحد، خصوصا مع الدور المركزي الذي لعبته الصين في تطوير المشروع.

وبحسب «فايننشال تايمز»، أكملت السعودية تجربة إثبات المفهوم في مايو 2025 ثم توقفت عن المشاركة النشطة، فيما لم تعلن الخطوة على نطاق واسع إلا الآن. وأكد البنك المركزي السعودي أن مشاركته كانت مرتبطة بمرحلة الاختبار، مع استمرار بعض التواصل بصورة غير مباشرة. وهذا التفسير يجعل القرار أقرب، في ظاهره، إلى انتهاء مرحلة تجريبية منه إلى انسحاب سياسي مفاجئ من الصين.

لماذا يظهر القرار الآن؟

فالسعودية تتحرك في بيئة مختلفة جذريا عن تلك التي انضمت فيها إلى «إم بريدج». المنطقة تعيش منذ أشهر حربا واسعة مرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات من الحوثيين، وتحتاج الرياض إلى دعم دفاعي غربي في وقت تراجعت فيه قدرة الولايات المتحدة على توفير بعض أنظمة الاعتراض بسبب استنزاف المخزونات في الحرب مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو الصين بعيدة عن الأزمة. فقد طلبت السعودية من بكين المساعدة في الضغط على إيران لوقف الهجمات الحوثية على البنية التحتية النفطية السعودية، واستجابت الصين بدعوة طهران إلى الحد من تلك الهجمات. أي أن بكين أصبحت طرفا دبلوماسيا مهما في الأزمة، لكنها لا تحل محل الدور العسكري والأمني الذي تطلبه الرياض من واشنطن وشركائها الغربيين.

وهنا تظهر حساسية «إم بريدج». فالمشروع اقتصادي وتقني في الأساس، لكن بنيته تحمل دلالة استراتيجية؛ إذ يتيح تسويات مالية مباشرة بين عملات رقمية للبنوك المركزية، ويمكن أن يقلل الحاجة إلى بعض القنوات التقليدية التي تمر عبر النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار.

المملكة تواصل تنويع خياراتها، لكنها لا تبدو مستعدة، في هذه المرحلة، لتحويل التنويع المالي إلى اصطفاف جيوسياسي كامل مع البنية الصينية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الانسحاب السعودي باعتباره ضبطا لحدود التنويع المالي: الرياض قد ترغب في تطوير التكنولوجيا المالية وتنويع قنوات الدفع، لكنها ليست بالضرورة مستعدة للارتباط الكامل ببنية ينظر إليها على أنها جزء من مسعى صيني أوسع لتطوير بدائل للنظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار.

ولا يعني ذلك أن السعودية اختارت الدولار في مواجهة الصين. فالمملكة والصين ترتبطان بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة، كما أن الرياض كانت من المشاركين الرئيسيين في تجربة «إم بريدج» نفسها. كما أن الخروج من مشروع واحد لا يعني التخلي عن التعاون المالي والتكنولوجي مع بكين.

والأهم أن الانسحاب لا يأتي في وقت عادي بالنسبة إلى الدولار. فالحرب رفعت أسعار النفط وأعادت المخاطر الجيوسياسية إلى أسواق العملات والطاقة، فيما استفاد الدولار في سبتمبر من ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة ومن توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن استقرار العلاقة المالية مع الولايات المتحدة يظل مرتبطا أيضا بمكانة الدولار في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط المقومة بالدولار. لذلك فإن أي انتقال واسع وسريع إلى بنى دفع بديلة ستكون له كلفة سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة سرعة التحويلات أو خفض رسومها.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال القرار في رسالة ولاء مالي لواشنطن. فحتى «إم بريدج» نفسه لا يزال مشروعا في طور التطوير، ولم يتحول إلى نظام عالمي مكتمل ينافس «سويفت» بصورة مباشرة. كما أن بنك التسويات الدولية انسحب منه في 2024، وقال إن المشروع وصل إلى مرحلة يمكن فيها للمشاركين مواصلة إدارته بأنفسهم، نافيا أن يكون الانسحاب ذا دوافع سياسية.

لذلك تبقى فرضية الدافع الاقتصادي والتقني هي التفسير الأكثر مباشرة وفق المعطيات المعلنة. أما ربط الانسحاب بالحرب، فيظل سؤالا مفتوحا لا نتيجة مثبتة. لكن التوقيت يجعل من المشروع قراءة الخطوة ضمن التحولات الأوسع في الحسابات السعودية.

فالحرب كشفت للرياض أن تنويع الشراكات لا يلغي أهمية التحالفات الأمنية، وأن الصين تستطيع لعب دور دبلوماسي واقتصادي مؤثر، لكنها لا تقدم بالضرورة نوع الضمانات العسكرية التي تحتاجها السعودية في مواجهة هجمات تستهدف أراضيها ومنشآتها النفطية.

ومن هنا يمكن أن يكون خروج السعودية من «إم بريدج» رسالة أكثر تعقيدا من مجرد الانسحاب من مشروع تقني: الرياض تواصل تنويع خياراتها، لكنها لا تبدو مستعدة، في هذه المرحلة، لتحويل التنويع المالي إلى اصطفاف جيوسياسي كامل مع البنية الصينية.

وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس لماذا خرجت السعودية من «إم بريدج» فقط، بل إلى أي حد أعادت الحرب ترتيب حدود المسافة التي تريد الرياض الاحتفاظ بها بين واشنطن وبكين؟

آخر الأخبار

شركات التكرير الأميركية تجني أرباحاً استثنائية مع ارتفاع أسعار الوقود
تركيا تطلب من مستثمري الصناديق إعادة الأرباح "المفرطة"
كيف تُسقط أميركا اقتصادات كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة؟
لماذا يبقى النفط فوق 100 دولار رغم تفوق ترامب في مضيق هرمز؟
ترامب يمهد لوقف الحرب.. كيف يقنع الخليج؟
استهداف مكة يوحّد المسلمين خلف السعودية
ريادة الأعمال الشبابية في زمن الذكاء الاصطناعي