Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

الانسحاب الأميركي يفتح آفاقًا جديدة أمام جماهير العراق

الانسحاب الأميركي يمثل فرصة لدحض الأوهام التي روّج لها الموالون، ونسف جدار المبررات التي رفعت بها المقاومة سلاحها في وجه الجماهير.

ليس مهمًا بالنسبة لنا استبدال عنوان “انتهاء مهمة التحالف” بعنوان آخر هو “الانسحاب الأميركي من العراق” طالما أن ذلك يطرب مسامع السلطة الطائفية في العراق، بذراعيها السياسي، المتمثل في الإطار التنسيقي، والعسكري والأمني، المتمثل في “سلاح المقاومة” أو الحشد الشعبي أو الميليشيات، على اختلاف التسميات.

وكما هو مقرر، فإن اليوم، 30 أيلول/سبتمبر 2026، هو الموعد النهائي لإغلاق القواعد الأميركية في العراق وانسحاب آخر جندي أجنبي من البلاد. ونؤكد من جديد أن الانسحاب الأميركي من العراق، بل ومن عموم المنطقة، قد تأخر كثيرًا. فقد كان من المقرر أن يبدأ منذ الولاية الثانية لباراك أوباما، ثم مضت إدارة دونالد ترامب الأولى، بعد عام 2016، في الاتجاه نفسه، إلا أن هبوب رياح الحرب الروسية في أوكرانيا، ثم عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في غلاف غزة، جاءت بما لا تشتهي السفن، وأعادت خلط الأوراق وأبقت على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

إن تسويق عملية الانسحاب الأميركي، أو انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق لمكافحة عصابات داعش، بوصفها انتصارًا سياسيًا وعسكريًا للسلطة في العراق، والذي تُوّج بإعطاء يومين عطلة رسمية في العراق وتسميتهما يوم الجلاء أو إعادة السيادة أو الاستقلال، ليس أكثر من محاولة إعلامية لفبركة صورة وهمية وخادعة لتسجيل “انتصار فضائي” شبيه بالجنود والعناصر الفضائيين في ميليشيات الحشد والأجهزة الأمنية، الذين تُصرف تحت عناوينهم رواتب ومعاشات لأناس غير موجودين فعليًا.

هذا “الانتصار الفضائي” يراد منه إعادة تسجيل حضور سياسي للسلطة القائمة برأسيها السياسي والعسكري والأمني، وإعادة التجديد للنفوذ الإيراني في العراق، وفي الوقت نفسه محاولة لتسويق انتصار للنظام القومي الملتحف بالرداء الإسلامي في إيران، الذي بات يئن تحت الضغوط الاقتصادية والسياسية الناجمة عن حالة “اللاحرب واللاسلم” في المنطقة، والذي وعد مريديه بأنه سينهي الوجود الأمريكي في المنطقة.

الانسحاب الأميركي من العراق ليس انتصارًا حقيقيًا للسلطة الطائفية بل محاولة لتسويق وهم سياسي يعيد إنتاج النفوذ الإيراني ويخدع الجماهير بالانتصارات الفضائية

وبقدر تورط هذا النظام في طهران في الحالة القائمة في المنطقة، واستعداده لجرها إلى فوضى أمنية وعسكرية وتدمير كل شيء من أجل بقائه، وبنفس القدر فإن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة هي الأخرى لجر المنطقة، بل والعالم برمته، إلى أتون حرب مفتوحة ودمار شامل وأزمة اقتصادية عالمية، من أجل فرض هيمنتها ووقف العد التنازلي لمكانتها العالمية. وتحاول السلطة في بغداد، وذراعها العسكري المتمثل في الميليشيات الطائفية، تسويق حالة انتصار وهمية، كي تظهر نفسها رمزًا لـ”المقاومة” ضد الأميركيين في المنطقة.

لا شك، بالنسبة إلى أي تحرري في العالم، وأي إنسان يطمح إلى السلام والأمان والحرية، وهي الحالة الطبيعية التي تطمح إليها البشرية، أن هزيمة الإمبريالية الأمريكية وانحدار نفوذها في أي مكان من العالم يمكن أن يُنظر إليهما بوصفهما تراجعًا لقوة استعمارية وإمبريالية. وقد ارتبط الوجود الأميركي في مناطق مختلفة من العالم، في حالات عديدة، بالحروب والدمار والفوضى والسرقة والنهب والفقر.

بيد أن الحالة العراقية مختلفة، وأن محاولة الميليشيات تسويق الانسحاب الأمريكي من العراق بوصفه انتصارًا سياسيًا وعسكريًا ليست أكثر من هراء. فالوجود الأميركي واحتلال العراق، الذي باركته القوى الشيعية التي تدير اليوم السلطة الطائفية في العراق، كانا جزءًا من العملية التي أوصلت هذه القوى إلى السلطة، مقابل مباركتها الاحتلال. وكانت منظمة بدر، التي يقودها هادي العامري، والذي يرفع اليوم عقيرته ضد الوجود الأمريكي ويتحدث عن السيادة، من أوائل المؤيدين لغزو العراق واحتلاله عام 2003.

والوجود الأميركي هو الذي وفر، في مرحلة ما، الغطاء والشرعية السياسية للنظام السياسي الذي تشكل بعد الاحتلال، وقد فتح أبواب العراق أمام الشركات الأجنبية والاستثمار وحماية أموال العراق من الدائنين، في إطار ترتيبات ما بعد غزو الكويت والتعويضات المترتبة عليه، في جانب منه لحماية وتقوية النظام السياسي الذي نصبته. وما زال العراق، بدرجات وأشكال مختلفة، مرتبطًا بمنظومة اقتصادية ومالية دولية تلعب الولايات المتحدة دورًا مركزيًا فيها لإدامة حماية النظام. كما أن الوجود الأمريكي كان جزءًا من البيئة السياسية والأمنية التي جرت فيها الانتخابات العراقية المتعاقبة التي أنتجت السلطة الطائفية القائمة اليوم، فيما تأسست الميليشيات الطائفية وتوسعت خلال الحرب على داعش، وفي ظل وجود التحالف الدولي والقوات الأميركية.

وبمعنى آخر، فإن الوجود الأميركي في العراق لم يكن نقيضًا لهذه السلطة، بل كان أحد العوامل الدولية التي ساهمت في تكريس النظام السياسي الذي انبثق منه السلطة الطائفية بعد 2003، والذي تمادى في قمع المحتجين وسفك دماء شباب انتفاضة تشرين. ولم تتحرك السفارة الأمريكية، ولا الأمم المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي ساكنًا سوى بإطلاق بيانات وتصريحات خجولة عبرت عن “قلقها” تجاه حجم الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها المتظاهرون، والتي اعترف هادي العامري نفسه بأن “سلاح المقاومة” أي الميليشيات كانت طرفًا في قمعها.

جماهير العراق تطمح لوطن حر يضمن المساواة والرفاه والأمان والانسحاب الأمريكي فرصة لكشف الأوهام، وإنهاء مبررات الميليشيات، وإعادة الاعتبار للهوية الوطنية الجامعة.

الخائفون من الانسحاب الأميركي لا يصنعون الحرية، والمزمجرون والمصفقون للانسحاب الأميركي لا يخافون منه بقدر ما يخافون من سحب البساط من تحت أقدامهم وإنهاء مبررات استمرار سلاحهم. وما يسمونه “انتصارًا” فهو في الحقيقة محاولة للعيش في حاضر مرتبك، لأنهم لا يعرفون ماذا تخبئ لهم الأيام المقبلة.

وعلى العموم، فإن الانسحاب الأميركي من العراق، أو انتهاء مهمة التحالف الدولي، لن يُحدث، بحد ذاته، تغييرات عظيمة لصالح جماهير العراق. فحكومة الزيدي، التي يهددون بإسقاطها، هي في النهاية من صنيعة هذه السلطة نفسها. أما رئيسها، الذي ألقى كلمة أمام الأمم المتحدة قبل أيام وأطلق فيها وعودًا بشأن إنهاء الميليشيات وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، فإن رسالته إلى العالم هي محاولة جديدة لنشر الأوهام من أجل طمأنة رأس المال وتشجيعه على القدوم إلى العراق، والحيلولة دون فرض عزلة دولية عليه، لا أكثر.

وكلمة رئيس الوزراء العراقي تشبه، في هذا الجانب، كلمة “سيري” في أجهزة الآيفون: فهي تقدم المعلومات الموجودة على محرك البحث “غوغل”، أما التحقق من صحتها فيعتمد على المتلقي. فكلمة رئيس الوزراء تليت وفق ما كتبه له الإطار التنسيقي الحاكم، وعلى المتلقي أن يتحقق بنفسه من صحة ما ورد فيها.

إن الانسحاب الأميركي من العراق يمثل فرصة، أولًا، لدحض الأوهام التي روّج لها الموالون للسياسة الأميركية والمتوهمون بأن الوجود الأميركي سيجلب الأمن والاستقرار والرفاه للعراقيين. وثانيًا، هو في الوقت نفسه فرصة لنسف جدار المبررات التي رفعت بها “المقاومة” سلاحها في وجه جماهير العراق، تلك الجماهير التي هتفت في تشرين مطالبة بجغرافية سميت وطنًا، تكون فيه الحرية والمساواة والرفاه والأمان حقوقًا للجميع، وهويةً يتحدد فيها الإنسان بوصفه مواطنًا، قبل أي هوية قومية أو طائفية أو دينية؛ أي بوصفه إنسانًا حرًا يتمتع بحقوقه الكاملة.

سمير عادل

سمير عادل

كاتب عراقي

مقالات سابقة

No posts found
No posts found