Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

المواطن الليبي الذي أدمن الانتظار

المواطن الليبي يعيش يومياً ثمن الانقسام: كهرباء منقطعة، خدمات متعثرة، اقتصاد مضطرب، وأمن هش، فيما يبقى الانتظار هو الحالة السائدة.

لم يعد الانقسام في ليبيا مجرد خلاف بين حكومتين أو مؤسستين سياسيتين. فمنذ تعذر إجراء الانتخابات الوطنية التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، أصبحت البلاد عالقة في أزمة شرعية مفتوحة؛ تعمقت الازدواجية بين مؤسسات ومراكز نفوذ في الشرق والغرب.

وتقر الأمم المتحدة نفسها بأن فشل الانتخابات لم يكن نتيجة مشكلة قانونية فقط، بل ارتبط بضغوط أصحاب النفوذ، والخلاف حول القواعد الانتخابية، وعدم التوافق على ترتيبات السلطة التي ستقود البلاد إلى الانتخابات. وبينما يتفاوض السياسيون على شكل السلطة المقبلة، يظل المواطن هو من يعيش نتائج غيابها: اقتصاد مضطرب، خدمات متعثرة، مؤسسات منقسمة، وأمن لا يزال قابلاً للاهتزاز.

المواطن الليبي لم يعد يعيش الحرب بالمعنى التقليدي. لقد أصبحت الحرب جزءاً من تفاصيل الحياة حتى عندما لا تكون هناك جبهة مشتعلة. انقطاع الكهرباء، اضطراب الخدمات الصحية، ارتفاع الأسعار، ضعف البنية التحتية، صعوبة الوصول إلى فرص العمل، ومخاطر التنقل بين مناطق النفوذ المختلفة، كلها امتدادات يومية للصراع السياسي والأمني. وقد حذرت الأمم المتحدة في أغسطس 2026 من أن انقطاعات الكهرباء والمياه كشفت كلفة تحويل الموارد العامة، وضعف الاستثمار، وعدم تنسيق القرار، فيما جاءت الاشتباكات والضربات بالطائرات المسيّرة لتذكر بأن الاستقرار الليبي لا يزال هشاً.

وفي سبتمبر 2026، لم يكن الأمر مختلفاً في قطاع الطاقة، الذي يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الليبي. فقد حذرت البعثة الأممية من أن أي هجمات أو أعمال تقوض البنية التحتية النفطية قد تعرض البلاد لعقوبات، بعد إغلاق خط أنابيب الشرارة–الزاوية وما يمكن أن يترتب عليه من خسائر في الإنتاج والإيرادات وتأثيرات على الوقود والكهرباء.

الانتخابات المؤجلة تحولت إلى رمز للأزمة؛ فهي لا تعني فقط موعداً مفقوداً بل تكشف غياب التوافق على قواعد اللعبة وتعدد مراكز القرار والسلاح

بلد يمتلك موارد ضخمة يمكن أن تمول استقراراً واسعاً، لكنه يظل عاجزاً عن تحويل هذه الموارد إلى شعور يومي بالأمان والقدرة على التخطيط للمستقبل.

لهذا أصبح الانتظار نفسه حالة سياسية واجتماعية. المواطن لا ينتظر فقط راتباً أو خدمة، بل ينتظر نهاية المرحلة الانتقالية. ينتظر انتخابات لم تأت، ودولة واحدة، ومؤسسات موحدة، وقانوناً يطبق على الجميع، وسلاحاً يخضع لسلطة الدولة. لكن كل موعد سياسي مؤجل يخلق موعداً آخر، وكل اتفاق يحتاج إلى اتفاق جديد، وكل حكومة مؤقتة تكتشف أنها قد تبقى أكثر مما كان مقرراً لها. وهكذا تحولت كلمة “مؤقت” في ليبيا إلى واحدة من أكثر الكلمات إثارة للقلق؛ لأنها لم تعد تعني مرحلة قصيرة قبل الاستقرار، وإنما أصبحت وصفاً لنظام سياسي كامل لا يعرف متى ينتهي.

والانتخابات هي المثال الأوضح على هذه المعضلة. الجميع تقريباً يتحدث عن الانتخابات بوصفها المخرج الطبيعي من الأزمة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: متى ستجرى الانتخابات؟ بل: أي دولة ستنتجها الانتخابات؟ وهل يمكن لصندوق الاقتراع وحده أن يحسم نزاعاً على المؤسسات والموارد والسلاح والشرعية؟ إن الانتخابات مهمة لأنها تعيد إنتاج الشرعية الشعبية، لكنها لا تستطيع وحدها توحيد مؤسسة عسكرية منقسمة، أو تفكيك شبكات المصالح، أو ضمان قبول الخاسرين بالنتائج، أو منع السلاح من التأثير في السياسة.

وهذه ليست فرضية نظرية. فقد أظهرت التجربة السابقة أن الاتفاق على موعد انتخابي لا يكفي. فالانتخابات الوطنية التي كانت مقررة في 2021 لم تُجرَ، بينما استمرت الخلافات حول القواعد الدستورية والقانونية وترتيبات السلطة. وحتى الانتخابات البلدية، التي تمثل اختباراً أصغر وأكثر قابلية للتنفيذ، واجهت في 2025 عوائق أمنية وسياسية، مع تأجيل التصويت في عدد من البلديات، قبل أن تُستأنف عمليات انتخابية في مناطق شرقية وجنوبية لاحقاً.

وهنا يدخل عامل الشرق والغرب بكل ثقله. فالمشكلة ليست أن ليبيا مقسمة جغرافياً، وإنما أن الانقسام أنتج مراكز سلطة ومؤسسات وشبكات نفوذ ومصالح اقتصادية وأمنية. ولذلك فإن أي انتخابات وطنية ستظل معرضة للخطر إذا تعاملت الأطراف معها باعتبارها معركة صفرية: طرف يفوز بكل شيء، وطرف يخسر الدولة كلها. الانتخابات المستقرة تحتاج إلى اتفاق مسبق، أو على الأقل إلى تفاهم سياسي واسع، حول قواعد اللعبة: ماذا يحدث بعد النتيجة؟ كيف تُحمى المؤسسات؟ كيف تُدمج أو توحد الأجهزة الأمنية؟ وكيف تضمن الأطراف أن انتقال السلطة لن يتحول إلى صراع جديد؟

في هذه النقطة تحديداً تظهر مشكلة الميليشيات والجماعات المسلحة. فالسلاح في ليبيا لم يعد مجرد أداة عسكرية؛ أصبح في بعض الحالات جزءاً من الاقتصاد والسياسة وشبكات النفوذ. وحين يكون لبعض القوى المسلحة تأثير على الأرض أو المؤسسات أو الموارد، تصبح السياسة نفسها معرضة لضغط القوة. وهذا يخلق معادلة خطيرة: السياسي يحتاج إلى المسلح كي يحمي نفوذه، والمسلح يحتاج إلى السياسي كي يمنح وجوده غطاءً أو موارد أو موقعاً داخل الدولة.

لكن هذه العلاقة لا تنتهي عند الميليشيات. إنها تخلق أيضاً البيئة التي يمكن أن تستفيد منها الجماعات المتطرفة. فكلما ضعفت الدولة وتراجعت قدرتها على فرض القانون، ظهرت مساحات تستغلها التنظيمات المتطرفة لتعيد تقديم نفسها باعتبارها قوة بديلة أو احتجاجية. وكلما وقع هجوم إرهابي، استُخدم الخطر لتبرير استمرار التسلح، وكلما استمر السلاح خارج منظومة الدولة، بقيت البيئة التي يمكن أن ينمو فيها التطرف. إنها دائرة مغلقة: الفوضى تمنح التطرف فرصة، والتطرف يمنح السلاح مبرراً، والسلاح يضعف الدولة، وضعف الدولة يعيد إنتاج الفوضى.

وهذا هو السبب في أن الحديث عن الانتخابات من دون الحديث عن الأمن يظل ناقصاً. لا يمكن بناء شرعية انتخابية مستقرة فوق بنية أمنية منقسمة. وفي المقابل، لا يمكن توحيد المؤسسات الأمنية عبر صفقة سياسية مؤقتة إذا بقيت السياسة نفسها قائمة على تقاسم النفوذ. المطلوب ليس فقط دمج أفراد أو إعادة تسمية أجهزة، وإنما بناء مؤسسة أمنية وطنية تخضع للقانون والسلطة المدنية، وتكون مهمتها حماية الدولة والمواطن لا حماية مراكز القوى.

الفوضى تغذي التطرف والتطرف يبرر السلاح والسلاح يضعف الدولة؛ دائرة مغلقة تجعل الأمن والشرعية رهينين بتفكيك شبكات النفوذ وبناء مؤسسة وطنية موحدة

ومن هنا تأتي أهمية الدور الأممي، لكن أيضاً حدوده. بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا تستطيع أن تصنع الدولة الليبية بدلاً من الليبيين. مهمتها هي الوساطة وتسهيل الحوار ودعم الانتخابات والمصالحة وتوحيد المؤسسات، ضمن تفويض مجلس الأمن. وخريطة الطريق التي تتبناها البعثة تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: إطار انتخابي قابل للتنفيذ، وتوحيد المؤسسات من خلال سلطة تنفيذية موحدة، وحوار منظم يتناول الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة.

واللافت أن البعثة حاولت في 2026 الانتقال من مجرد إدارة الخلاف السياسي إلى معالجة أسبابه. فقد اختتم الحوار المهيكل في يونيو بتوصيات تجاوزت 525 توصية، تناولت الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة وحقوق الإنسان، بهدف تهيئة الظروف للانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة. ثم جاء اتفاق “المجموعة المصغرة” في أغسطس ليعالج إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات والمسائل العالقة في الإطار الدستوري والقانوني، مع الالتزام بالعمل نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز عامين. وفي سبتمبر رحب مجلس الأمن بالاتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة توحيد المؤسسات، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنشاء سلطة تنفيذية موحدة.

وهذا التطور مهم، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق: لقد أصبحت ليبيا تحتاج إلى خارطة طريق للوصول إلى خارطة طريق. وهذا ليس انتقاداً للوساطة الأممية بقدر ما هو وصف لحجم التعقيد الذي أنتجته سنوات الانقسام. فالأمم المتحدة تستطيع أن تجمع الأطراف حول الطاولة، وأن تقترح آليات، وأن تقدم ضمانات سياسية، وأن تحشد المجتمع الدولي، لكنها لا تستطيع أن تفرض على القوى الليبية التخلي عن مصالحها أو أن تخلق من الخارج إرادة وطنية غير موجودة في الداخل.

ولهذا فإن السؤال الأصعب ليس ماذا ستفعل الأمم المتحدة، وإنما ماذا سيفعل الليبيون عندما تتوقف الأمم المتحدة عن حمل الملف؟ لا يمكن أن تبقى البعثة الأممية هي المؤسسة التي تضع الإيقاع السياسي للبلاد إلى ما لا نهاية. وظيفة الوساطة الدولية في النهاية هي مساعدة الليبيين على استعادة قدرتهم على إدارة خلافاتهم بأنفسهم، لا تحويل الانتقال السياسي إلى مشروع دولي دائم.

والمواطن هو الذي يكشف الفارق بين نجاح العملية السياسية وفشلها. بالنسبة إلى السياسي، قد يكون توقيع اتفاق إنجازاً. وبالنسبة إلى الدبلوماسي، قد يكون عقد مؤتمر ناجحاً. وبالنسبة إلى البعثة الدولية، قد يكون إطلاق مسار جديد خطوة إلى الأمام. لكن بالنسبة إلى المواطن، المعيار أكثر بساطة وقسوة: هل أصبح أكثر أمناً؟ هل أصبحت الكهرباء أكثر استقراراً؟ هل أصبحت المؤسسات أكثر وضوحاً؟ هل يستطيع أن يخطط لحياته من دون أن يخشى أزمة سياسية جديدة؟ وهل يعرف من يحكمه ومن يحاسبه ومن يحميه؟

لقد طال الوقت الذي كان فيه الليبي مطالباً بالصبر. صبر على الحرب، وعلى الانقسام، وعلى الحكومات المؤقتة، وعلى الانتخابات المؤجلة، وعلى الوعود الدولية والمحلية، وعلى السلاح الذي قيل إنه مؤقت، وعلى المؤسسات التي قيل إنها ستتوحد قريباً. لكن الصبر السياسي له حدود اجتماعية. وحين يتحول التأجيل إلى نمط حكم، يتحول المواطن تدريجياً من شريك في الدولة إلى متفرج عليها، ومن صاحب حق إلى طالب خدمة، ومن مواطن ينتظر المستقبل إلى شخص أدمن الانتظار.

الانتظار لا يبني دولة، ولا يمنح شرعية، ولا يخلق أمناً؛ إنه فقط يطيل عمر الفوضى.

صلاح الهوني

صلاح الهوني

إعالمي ليبي

مقالات سابقة

ترامب يمهد لوقف الحرب.. كيف يقنع الخليج؟
تونس توسّع شراكتها البحرية مع واشنطن