في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى إعادة ترميم علاقاته العربية بعد سنوات من التوتر، يتحول التفاح إلى ورقة دبلوماسية ناعمة.
بيروت– بات موسم التفاح اللبناني هذا العام اختباراً جديداً لقدرة الدولة على حماية أحد أهم القطاعات الإنتاجية المتبقية. فمع تقديرات إنتاج تصل إلى نحو 200 ألف طن، جمعت وزارة الزراعة سفراء دول عربية في اجتماع رسمي، بحضور ممثلين عن وزارات الاقتصاد والصناعة والخارجية، لتوجيه رسالة مباشرة: اشتروا منا التفاح.
لم يكن الاجتماع مجرد لقاء بروتوكولي، بل تعبيراً صريحاً عن حالة طوارئ زراعية، حيث يتجاوز الإنتاج حاجة السوق المحلية التي تراوح بين 80 و100 ألف طن، مما يفرض تصدير ما بين 90 و100 ألف طن لتجنب انهيار الأسعار وإغراق الأسواق المحلية.
يأتي هذا التحرك في سياق «خارطة طريق» وضعتها الوزارة لتسويق المحصول، تشمل إلى جانب التفاح محاصيل أخرى مثل العنب والأفوكادو.
وبحسب وزير الزراعة نزار هاني، أبدى السفراء المشاركون استعداداً للتعاون بعد اطلاعهم على حجم الإنتاج والدعم المطلوب من دولهم. غير أن هذه الخطوة تكشف في الوقت ذاته هشاشة البنية التسويقية اللبنانية واعتمادها المزمن على الأسواق العربية، خاصة الخليجية والمصرية والعراقية والأردنية.
تاريخياً، شكل التفاح رمزاً للزراعة الجبلية اللبنانية. انتشرت زراعته في مرتفعات الشمال والبقاع وجبل لبنان منذ عقود، وأصبح مصدر رزق لآلاف العائلات في مناطق مثل تنورين وبشري وميروبا.
وفي السنوات السابقة، كانت دول الخليج تستورد كميات كبيرة، إذ شكلت السعودية وحدها قبل عام 2021 وجهة لنحو 20 ألف طن في بعض المواسم. لكن التوترات السياسية أدت إلى توقف التصدير إلى المملكة لسنوات، قبل أن يستأنف تدريجياً في الآونة الأخيرة. أما مصر فتبقى السوق الرئيسية، مستوردة عشرات الآلاف من الأطنان سنوياً، بينما يساهم العراق والأردن في تصريف كميات إضافية عبر النقل البري الأقل كلفة.
الأزمة هذا الموسم ليست جديدة في جوهرها، لكنها أكثر حدة بسبب الوفرة النسبية في الإنتاج وارتفاع تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل. ويشكي المزارعون من أن كلفة تبريد الصندوق الواحد قد تصل إلى مستويات تجعل البيع بأسعار السوق الحالية غير مربح. في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر منذ 2019، وانهيار قيمة الليرة وارتفاع أسعار المازوت والأسمدة والمبيدات، يجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة: إما البيع بخسارة أو ترك المحصول يتلف.
ويبرز هنا دور «الدبلوماسية الزراعية» كمحاولة لتعويض غياب سياسات دعم مستدامة أو برامج تسويق طويلة الأمد.الاجتماع مع السفراء العرب ليس حدثاً معزولاً. سبقته تحركات متعددة المستويات. زار وزير الزراعة بغداد في زيارة قصيرة ركزت على زيادة الصادرات إلى العراق وتسهيل التحويلات المالية، مع بحث إمكانية تبادل أوسع يشمل استيراد منتجات عراقية مثل التمور والأعلاف.
كما جرت اتصالات مع الأردن حول الروزنامة الزراعية، حيث يسعى الجانب اللبناني إلى فتح باب الاستيراد اعتباراً من منتصف أكتوبر، بينما يفضل الجانب الأردني الانتظار حتى الأول من نوفمبر.
وفي السعودية والإمارات، تؤكد الوزارة أن الصادرات تسير بشكل طبيعي. إلى جانب ذلك، وجه نواب ومسؤولون رسائل مباشرة إلى سفراء دول خليجية، فيما أكد الرئيس جوزاف عون استمرار اتصالاته مع دول عربية لتسهيل التصريف.
وتكشف هذه التحركات طبقات متعددة من الإشكاليات. أولاً، الاعتماد شبه الكلي على الأسواق العربية يجعل القطاع عرضة للتقلبات السياسية. أي توتر إقليمي أو قرار إداري في دولة مستوردة يمكن أن يعيد إنتاج أزمة كساد سابقة.
ثانياً، غياب بنية تحتية تسويقية حديثة وفعالة، من مخازن تبريد كافية إلى شبكات تصدير منظمة، يترك المزارع رهينة التجار والوسطاء. ثالثاً، التكلفة المرتفعة للإنتاج مقارنة ببعض المنافسين الإقليميين تقلل القدرة التنافسية، رغم جودة التفاح اللبناني المعترف بها.
ويمثل القطاع الزراعي أحد آخر الروافع الإنتاجية في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على التحويلات والخدمات. تصدير 100 ألف طن من التفاح، حتى بأسعار معتدلة، يضخ عائدات مباشرة في مناطق ريفية مهمشة، ويحافظ على فرص عمل موسمية، ويساهم في الحد من الهجرة الداخلية والخارجية. لكن النجاح في تصريف الموسم الحالي لن يحل المشكلة الهيكلية. يحتاج القطاع إلى استثمارات في التقنيات الحديثة، وتنويع الأسواق خارج المنطقة العربية، وتطوير علامات تجارية وطنية، ودعم حكومي شفاف للتكاليف الأساسية.
البعد السياسي للدبلوماسية الزراعية لا يمكن تجاهله. في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى إعادة ترميم علاقاته العربية بعد سنوات من التوتر، يتحول التفاح إلى ورقة دبلوماسية ناعمة. الطلب من السفراء العرب «الشراء» يحمل رسالة مزدوجة: حاجة اقتصادية ملحة من جهة، ودعوة إلى تضامن عربي عملي من جهة أخرى.
غير أن هذا التضامن يبقى مشروطاً بعوامل سياسية أوسع، منها استقرار الوضع الأمني في الجنوب اللبناني، والالتزامات المتعلقة بحصرية السلاح، وموقف لبنان من الصراعات الإقليمية.
وحتى لو أبدى السفراء استعداداً، فإن تحويل الوعود إلى شحنات فعلية يتطلب تجاوز عقبات إدارية وصحية وجمركية. كما أن المنافسة من منتجين آخرين في المنطقة والعالم، وتغير أنماط الاستهلاك، وارتفاع تكاليف الشحن البحري والبري، كلها عوامل تضغط على الهامش الربحي.
في الوقت نفسه، يطالب بعض المزارعين والنقابات بخطوات داخلية أكثر جرأة، مثل تشجيع الاستهلاك المحلي عبر حملات وطنية، وتوزيع كميات على المؤسسات الرسمية والمدارس والمستشفيات، وتنظيم أيام تفاح دورية.
ويقول خبراء إن اجتماع السفراء يعكس صورة لبنان اليوم: دولة تلجأ إلى دبلوماسيتها التقليدية لإنقاذ موسم زراعي، في غياب سياسات تنموية شاملة. التفاح الذي كان يوماً رمزاً للازدهار الجبلي أصبح اليوم مؤشراً على هشاشة الاقتصاد الريفي. نجاح الجهود الحالية قد ينقذ الموسم ويخفف الضغط عن آلاف العائلات، لكنه لن يغني عن ضرورة بناء استراتيجية زراعية طويلة الأمد تقوم على التنافسية والاستدامة وتنويع الأسواق. فالدبلوماسية الزراعية قد تفتح أبواباً، لكن الأبواب تبقى بحاجة إلى ما يملؤها من إنتاج منظم وتسويق محترف ودعم مؤسسي حقيقي. بدون ذلك، ستتكرر المشاهد كل موسم، وستبقى الرسالة ذاتها تتردد على أبواب السفارات: اشتروا منا التفاح.
