في مذكرات بن غوريون كتب يقول: لم نكتفِ بسرقة أراضي الفلسطينيين فحسب، بل أمعنّا في نهب أثاث البيوت وما كان يملكه الفلسطيني وقتها. ديفيد بن غوريون أطلق تصريحات هي “الأصعب بحق المجتمع الإسرائيلي” يوم الرابع والعشرين من تموز/يوليو 1948، أي بعد شهرين من إعلان إقامة “دولة إسرائيل”، حيث قال إن “غالبية اليهود لصوص، هذه الحقيقة”.
فالسياسة التي انتهجتها إسرائيل فيما يتعلق بالنهب كانت ذات مغزى، كجزء من إستراتيجية سياسية وديموغرافية ممنهجة: منع عودة اللاجئين الفلسطينيين، إذ كان الهدف السياسي الأهم للنهب الجماعي وتدمير القرى والبلدات هو إفراغ البيوت وتغيير معالمها لضمان عدم وجود ما يعود إليه الفلسطينيون بعد طردهم، مما يحول دون تغيير الواقع الديموغرافي الذي فرضته الحرب.
تدمير الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني: شمل السلب مصادرة الماكينات، والسيارات، والمحاصيل الزراعية، والمصانع، والمتاجر، وحتى المواشي. كان الهدف من ذلك سحق البنية الاقتصادية التحتية للفلسطينيين وقطع أي إمكانية لإعادة بناء مجتمعاتهم. وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك؛ محو الهوية والسرقة الثقافية، إذ لم يقتصر النهب على الأثاث والأموال، بل طال الرمزية الثقافية عبر الاستيلاء على محتويات المكتبات الفلسطينية الخاصة والعامة، والأرشيفات، واللوحات الفنية، والآلات الموسيقية، لفرض واقع ثقافي جديد وطمس التاريخ الفلسطيني.
منذ بن غوريون وحتى بن غفير يتواصل نهج النهب والاعتداء على الفلسطينيين من سرقة الأرض والهوية إلى إذلال الأسرى وتدمير الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني
في أقل من شهر سوف يبدأ الفلسطينيون في الضفة الغربية بجني ثمار الزيتون في جميع القرى والمدن. هذا المستقبل القريب يخشاه الفلسطينيون نتيجة الإجراءات الأمنية الإسرائيلية القاسية، بجانب عنف المستوطنين المتمثل في منعهم من الوصول إلى حقولهم، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج”. نرى يوميًا هجوم المستوطنين الشرس في تلك المناطق حسب اتفاق أوسلو، وحجم النهب والسرقة والاعتداء على الثروة الحيوانية سواء بالقتل أو السرقة، وتقطيع الأشجار المثمرة وخصوصًا أشجار الزيتون. كل هذه المشاهد مجتمعة تحدث على مرأى العالم الذي يكتفي فقط بالشجب والاستنكار.
بعد السابع من أكتوبر حُرم المئات من المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم القريبة من المستوطنات بحجة “دواعٍ أمنية”، علمًا بأن أصحاب الأراضي كانوا يتقدمون بطلبات للحصول على تصاريح، وكانت طلباتهم تقابل بالرفض. نتيجة ذلك يعيش المزارع الفلسطيني حالة بؤس لا مثيل لها، مردّها عدم بيع محصوله الزراعي الذي يعتبر مصدر دخل له ولأسرته، فضلًا عن حالة الاغتراب عن أرضه التي ورثها عن أجداده. هذه الحالة ولّدت لديه إحباطًا من المستقبل الذي لا يحمل أملًا في أن تتبدد الظروف القاهرة منذ ثلاث سنوات.
منذ سنة اعترفت مجموعة من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية، وعلى رأس تلك الدول بريطانيا. فكانت ردة فعل إسرائيل وقتها إحكام التضييق على الشعب الفلسطيني من خلال الإمعان في منعه من الوصول إلى أرضه، بجانب زيادة مصادرة الأراضي في الضفة الغربية وبناء المستوطنات. فالاعتراف قوبل بردة فعل إسرائيلية زادت من تعقيد الأمور، ووصل الحال بالفلسطينيين إلى عدم الوثوق بالقرارات الدولية التي تصدر لصالحهم. فكان لسان حال السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني: لو لم تعترف تلك الدول بالدولة الفلسطينية لكان خيرًا لنا من الاعتراف الذي لم يُطبق على الأرض، بل زاد المشهد تعقيدًا.
ازدواجية المعايير الدولية تتجلى في فلسطين؛ قرارات أممية واعترافات أوروبية بلا تطبيق يقابلها استمرار الاحتلال وتراخي المجتمع الدولي عن حماية الحقوق الفلسطينية
إذن لم يختلف الأمس عن اليوم، فالأمر سيّان. بدأ الانتداب البريطاني على فلسطين في عشرينيات القرن المنصرم، وعملت بريطانيا على التمهيد لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وقدمت كل التسهيلات من أجل ذلك. وسبق ذلك وعد جيمس آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا في عام 1917، الذي أعطى اليهود صكًا بإقامة وطن قومي لهم، وسمح وقتها بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتم تسريب الأراضي لصالح اليهود بطرق عديدة. ما أود قوله: عاشت فلسطين منذ ما يقارب قرنًا من الزمن تحت وطأة سرقة الأراضي وتنغيص حياة الفلسطينيين من خلال مصادرة أراضيهم وإقامة المستوطنات عليها، فأصبح الشعب الفلسطيني غريبًا عن أرضه، يلاحقه جنود بريطانيا العظمى والعصابات الصهيونية منذ “الهاجاناه” و”اشتيرن” وغيرها.
اليوم زاد إرهاب المستوطنين أكثر على جميع الصعد في ظل حكم بن غفير، وزير الأمن الداخلي في إسرائيل. فقد استُبيح في عهده كل شيء، وزادت السرقات والقتل بحق الفلسطينيين، وزاد إذلال الأسرى في السجون، حتى لا ننسى “برك التماسيح” القريبة من السجون لإخافة الأسرى، بجانب التصويت على قرار إعدام الأسرى. هذا غيض من فيض.
السؤال الذي لا بد من طرحه: هل يستطيع العالم الذي اعترف بالدولة الفلسطينية بقضّه وقضيضه أن يحمي المزارع الفلسطيني من بطش المستوطنين وإرهابهم ولو في فترة قطف ثمار الزيتون؟ لا جرم أن الشعب الفلسطيني أصبح يدرك، برغم الشجب والاستنكار العالمي وبعض إجراءات المقاطعة الخجولة هنا وهناك، أن العالم بأسره لا يملك قوة على فرض قراراته الورقية على أرض الواقع. إذن المشهد هو ازدواجية المعايير الدولية: المقارنة الدائمة بين سرعة وحسم ردود فعل المجتمع الدولي تجاه أزمات عالمية معينة، في مقابل التراخي المستمر في إنفاذ وتطبيق القانون الدولي في فلسطين.
