مسار العلاقات بين بغداد ودمشق: ماض مثقل ومستقبل عملي.
العلاقات بين العراق وسوريا لم تعد تُختبر فقط عبر الملفات السياسية الكبرى، بل بدأت تتشكل في تفاصيل يومية كالمعابر والجمارك وحركة الشاحنات. وبناء علاقة مؤسساتية قادرة على إدارة الخلافات الصغيرة وتحويلها إلى أدوات للتقارب العملي المستدام.
قد لا يبدو إطلاق سراح عدد من السائقين العراقيين وإعفاؤهم من الغرامات في سوريا حدثاً يستحق التوقف طويلاً أمامه في بلدين يحملان تاريخاً ثقيلاً من الصراعات السياسية والأمنية، لكن قيمة هذا الخبر لا تكمن في حجم الحدث نفسه، وإنما في ما يكشفه من تغير في طبيعة العلاقة بين بغداد ودمشق. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى فقط في القمم الرئاسية، ولا تختبر فقط في الملفات الأمنية الكبرى، وإنما تتشكل أيضاً عند المعابر، وفي مكاتب الجمارك، وعلى الطرق البرية، وفي معاملات التجار والسائقين، وفي قدرة موظف في مؤسسة على حل مشكلة مواطن من دولة أخرى من دون أن تتحول المشكلة إلى أزمة سياسية.
وهنا تكمن أهمية التحولات الجارية بين العراق وسوريا. فبعد سنوات طويلة كانت العلاقة خلالها أسيرة الحسابات الأمنية والسياسية، ومثقلة بذاكرة البعث والانقسامات الإقليمية والمذهبية والحرب السورية، بدأت تظهر مؤشرات على انتقالها تدريجياً إلى مساحة أكثر عملية: ماذا يحتاج التجار؟ كيف تعمل المعابر؟ كيف تُنظم حركة الشاحنات؟ كيف تُدفع الرسوم؟ كيف تنتقل الطاقة والسلع؟ وكيف تستطيع مؤسسات البلدين حل مشكلة عابرة للحدود قبل أن تتحول إلى قضية سيادية أو سجال إعلامي؟
قد تبدو هذه الأسئلة متواضعة أمام تاريخ البلدين، لكنها ربما تكون أكثر أهمية من البيانات السياسية الكبرى. فالعلاقة المستقرة بين دولتين لا تبدأ بالضرورة من المصالح الإستراتيجية الضخمة، وإنما من القدرة على إدارة المصالح الصغيرة بصورة منتظمة.
قضية السائقين، بهذا المعنى، ليست مجرد حادثة إدارية. إنها اختبار لطريقة جديدة في التعامل. فبدلاً من أن تبقى المشكلات التي تواجه مواطني البلدين رهينة المناخ السياسي العام، يصبح ممكناً حلها عبر قنوات مباشرة بين المؤسسات المختصة. وإذا كان هذا النهج يبدو بديهياً في العلاقات الدولية الطبيعية، فإنه يكتسب أهمية إضافية في علاقة عانت طويلاً من تداخل السياسي بالأمني، ومن سهولة انتقال الخلافات الصغيرة إلى مستويات أكبر.
في الماضي، كان أي احتكاك على الحدود أو خلاف حول حركة الأشخاص والبضائع قابلاً لأن يُقرأ من خلال عدسة سياسية أوسع. الحدود لم تكن مجرد نقاط عبور، والمعابر لم تكن مجرد منشآت جمركية، وحركة التجارة لم تكن منفصلة تماماً عن حسابات الأمن والسياسة. أما حين تبدأ المؤسسات في التعامل مع هذه القضايا باعتبارها مسائل فنية قابلة للحل، فإنها تضع حجراً أساسياً في بناء علاقة مختلفة.
وهذه هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها: الاستقرار بين العراق وسوريا لن يُقاس فقط بما إذا كان البلدان قد اتفقا على الملفات الكبرى، وإنما بقدرتهما على منع الملفات الصغيرة من إنتاج أزمات كبيرة.
إطلاق سراح السائقين العراقيين في سوريا ليس مجرد حادث إداري بل مؤشر على تحول العلاقات نحو معالجة القضايا اليومية بعيدًا عن التوتر السياسي
فالمعابر الحدودية، والجمارك، والشاحنات، وحركة المسافرين، والطاقة، والنقل البري، ليست تفاصيل هامشية. إنها البنية اليومية للعلاقة بين البلدين. وكلما توسعت هذه البنية، أصبحت العلاقة أقل اعتماداً على إرادة الأفراد وأكثر ارتباطاً بالمؤسسات. وعندما تصبح هناك إجراءات واضحة للتعامل مع المخالفات والغرامات، وآليات لتبادل المعلومات، وقنوات اتصال بين وزارات النقل والجمارك والداخلية والطاقة، يصبح من الصعب على حادث إداري عابر أن يتحول إلى أزمة سياسية.
هذا النوع من العلاقات لا يحتاج إلى لغة أيديولوجية، بل إلى لغة الإجراءات.
وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يمكن أن تشهده العلاقات العراقية السورية في المرحلة المقبلة. فالبلدان لا يبدآن من فراغ، ولا يستطيعان ببساطة محو عقود من الذاكرة السياسية. إرث البعث ليس مجرد اسم لحزب حكم البلدين في مراحل مختلفة، بل هو جزء من تاريخ طويل من التنافس والصراع والشكوك، ترك آثاراً عميقة في المؤسسات والمجتمعات وفي الطريقة التي ينظر بها كل طرف إلى الآخر.
كما أن الحروب والانقسامات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة أضافت طبقات جديدة إلى هذه الذاكرة. وفي العراق، ارتبطت سوريا في فترات مختلفة بملفات أمنية شديدة الحساسية، بينما أصبحت سوريا نفسها بعد عام 2011 ساحة صراع إقليمي ودولي متعدد الأطراف. ومع سقوط نظام بشار الأسد ودخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، لم تعد بغداد تتعامل مع دمشق في البيئة السياسية والأمنية نفسها التي كانت قائمة خلال السنوات السابقة.
لكن تغيير الأنظمة لا يمحو تلقائياً ذاكرة الدول.
وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية. فالعلاقات الرسمية يمكن أن تتغير بسرعة، أما الصور الذهنية فتحتاج إلى وقت أطول. قد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتُفتح المعابر، لكن الشكوك التي تراكمت عبر سنوات لا تختفي بقرار سياسي واحد. ولهذا فإن بناء علاقة جديدة يحتاج إلى شيء أكثر صلابة من البيانات: يحتاج إلى تجربة يومية مختلفة.
كل شاحنة تعبر الحدود من دون مشكلة، وكل معاملة جمركية تُنجز وفق قواعد واضحة، وكل مسافر يعرف حقوقه وواجباته، وكل خلاف تتم تسويته عبر مؤسسة مختصة بدلاً من وسائل الإعلام، يضيف طبقة جديدة إلى هذه التجربة.
وبمرور الوقت يمكن لهذه التفاصيل أن تفعل ما لا تستطيع الخطب السياسية فعله: تغيير طبيعة العلاقة من الداخل.
المعابر والجمارك والطاقة والنقل ليست تفاصيل هامشية بل هي البنية اليومية للعلاقة العراقية السورية التي تحدد استقرارها أكثر من البيانات السياسية
هناك بالفعل مؤشرات على أن العلاقة تتحرك في هذا الاتجاه. فقد شهدت الفترة الأخيرة خطوات تتعلق بربط الأنظمة الجمركية إلكترونياً، وتسهيل حركة المعابر، وتعزيز التجارة والنقل، إلى جانب استئناف أو توسيع بعض أشكال التعاون في مجال الطاقة ونقل المشتقات النفطية عبر الأراضي السورية. هذه الملفات لا تبدو درامية، لكنها تحديداً هي التي تكشف ما إذا كان التقارب السياسي يتحول إلى بنية تعاون قابلة للاستمرار.
فالسياسة يمكن أن تنتج اتفاقاً في يوم واحد، لكن الاقتصاد والمؤسسات هما اللذان يختبران قدرة الاتفاق على البقاء.
عندما ترتبط مصالح التجار والمزارعين وشركات النقل والمستهلكين والعمال بحركة منتظمة بين البلدين، يصبح الحفاظ على العلاقة مصلحة اجتماعية واقتصادية، وليس مجرد خيار سياسي للحكومة. وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن العلاقات التي تعتمد فقط على إرادة الحكومات تكون أكثر هشاشة من العلاقات التي تنشئ حولها شبكة واسعة من المصالح المتبادلة.
العلاقة العراقية السورية تحتاج إلى هذا النوع من التشابك.
العراق بحاجة إلى منافذ وأسواق وطرق إمداد متعددة، وسوريا تملك موقعاً جغرافياً يجعلها جزءاً مهماً من أي تصور لشبكات النقل والتجارة والطاقة في المشرق. وفي المقابل، تحتاج سوريا في مرحلة إعادة بناء اقتصادها إلى فتح قنوات تجارية واستثمارية وإقليمية، وإلى إعادة وصل اقتصادها بمحيطها العربي. وبين الاحتياجات العراقية والسورية توجد مساحة واسعة من المصالح المشتركة التي يمكن أن تتطور بعيداً عن الحسابات الأيديولوجية.
لكن هذا التحول لن يكون تلقائياً.
فكلما زادت المصالح، زادت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إدارتها. لا يمكن بناء تجارة مستقرة إذا كانت القواعد الجمركية تتغير بصورة مفاجئة، ولا يمكن تشجيع النقل إذا كانت الإجراءات الحدودية غير واضحة، ولا يمكن تطوير التعاون في الطاقة إذا لم تكن هناك آليات قانونية ومالية وتقنية مستقرة. ولا يمكن أن تتحول الحدود إلى جسر اقتصادي إذا بقيت في الوقت نفسه مصدراً دائماً للقلق الأمني.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق وسوريا يريدان التقارب، وإنما هل يستطيعان تحويل التقارب إلى نظام من القواعد والمؤسسات التي يعمل حتى عندما تتغير الحكومات أو تتبدل الظروف السياسية؟
العلاقة المستقرة لا تُبنى فقط بالاتفاقات الكبرى بل عبر مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات الصغيرة وتحويلها من نقاط احتكاك إلى أدوات للتعاون العملي
هذه هي النقطة التي تفصل بين المصالحة السياسية والعلاقة المؤسساتية.
فالمصالحة قد تبدأ بقرار سياسي، أما العلاقة المستقرة فتحتاج إلى أجهزة ومصالح وإجراءات وقواعد تجعل التراجع عنها أكثر كلفة من الاستمرار فيها.
وهنا يمكن لقضية السائقين أن تكون ذات دلالة أكبر مما تبدو عليه. عندما تتدخل المؤسسات لمعالجة مشكلة تخص مواطنين عراقيين داخل الأراضي السورية، ثم تنتهي القضية بالإفراج عنهم وإعفائهم من الغرامات، فإن الرسالة الأهم ليست قيمة الإعفاء نفسه، بل أن هناك قناة يمكن اللجوء إليها لحل المشكلة. وهذه القناة إذا استمرت وتكررت، يمكن أن تتحول من استثناء إلى قاعدة.
المشكلة في العلاقات المتوترة ليست دائماً غياب المصالح، وإنما غياب آليات إدارة المصالح.
قد تكون هناك تجارة وحركة أشخاص وطاقة وحدود مشتركة، لكن إذا لم توجد مؤسسات قادرة على حل الخلافات، فإن كل مصلحة يمكن أن تصبح نقطة احتكاك. أما إذا أصبحت الخلافات جزءاً طبيعياً من عمل المؤسسات، فإنها تفقد قدرتها على إنتاج الأزمات السياسية.
وهذا تحديداً ما يحتاجه العراق وسوريا: ليس علاقة بلا خلافات، فهذا غير واقعي، وإنما علاقة تمتلك آليات تمنع الخلافات من الانفجار.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية تجاوز إرث البعث، لا عبر محاولة محو التاريخ أو إنكاره، وإنما عبر إخراجه من موقع المحدد الوحيد للعلاقة. فالتاريخ لا يمكن تغييره، لكن يمكن تغيير طريقة تأثيره في الحاضر. وإذا بقيت كل خطوة بين بغداد ودمشق تُقرأ من خلال الماضي، فلن يكون هناك مجال واسع لبناء المستقبل. أما إذا أصبحت العلاقات اليومية تُدار وفق مصالح الدولة والمجتمع، فإن الذاكرة السياسية تتحول تدريجياً من عامل يحدد العلاقة إلى عامل من عواملها.
وهذا لا يعني تجاهل الملفات السياسية والأمنية. على العكس، هذه الملفات ستظل حاضرة، وربما تكون أكثر حساسية من غيرها. لكن الاستقرار الحقيقي يتطلب ألا تبتلع هذه الملفات كل شيء.

عندما يصبح كل خلاف جمركي مسألة سيادية، وكل حادث أمني دليلاً على مؤامرة، وكل تصريح سياسي سبباً لإغلاق المعابر، فإن العلاقة تظل رهينة التوتر. أما عندما تستطيع المؤسسات فصل الملفات، بحيث يستمر نقل البضائع حتى في ظل خلاف سياسي محدود، وتستمر القنوات الفنية حتى عندما تتباين المواقف في ملف آخر، فإن العلاقة تصبح أكثر نضجاً.
هذا هو معنى المؤسساتية في العلاقات بين الدول: أن تستطيع العلاقة أن تعمل حتى عندما لا يكون كل شيء مثالياً.
ولعل أحد أخطر ما خلفته عقود الصراع في المنطقة هو الاعتقاد بأن العلاقات الدولية لا تتحرك إلا عبر الاتفاقات الكبرى والصفقات السياسية. لكن التجربة تقول إن الاستقرار غالباً ما يتشكل من آلاف الإجراءات الصغيرة المتكررة. المعبر الذي يعمل يومياً، والشاحنة التي تصل في موعدها، والتحويلة المالية التي تتم وفق قواعد واضحة، والموظف الذي يعرف إلى من يتصل عند وقوع مشكلة، كلها أجزاء من بنية سياسية أكبر حتى لو لم تظهر في البيانات الرسمية.
وفي العراق وسوريا، قد تكون هذه البنية أكثر أهمية من أي خطاب عن “العلاقات التاريخية”.
فالتاريخ المشترك يمكن أن يكون جسراً، لكنه يمكن أيضاً أن يكون عبئاً إذا بقي محملاً بصراعات الماضي. أما المصالح اليومية، فإنها تفرض على الطرفين نوعاً مختلفاً من البراغماتية. التاجر يريد أن تصل بضاعته، والسائق يريد أن يعبر الحدود، والمستهلك يريد سلعة بسعر معقول، وشركة الطاقة تريد مساراً آمناً ومستقراً، والحكومة تريد إيرادات منتظمة. هذه المصالح لا تسأل كثيراً عن الأيديولوجيا عندما تصبح مرتبطة بقواعد واضحة.
وهنا ربما تكمن فرصة العلاقة الجديدة.
إرث البعث والحروب والانقسامات لا يزول بقرار سياسي، لكن يمكن تجاوزه تدريجيًا عبر بناء تجربة يومية مختلفة تعزز الثقة بين بغداد ودمشق.
إذا استطاعت بغداد ودمشق تحويل القضايا اليومية إلى مساحة للتعاون المنتظم، فإنهما لن تبنيا فقط علاقة اقتصادية أكثر تماسكاً، وإنما ستنشئان أيضاً نوعاً جديداً من الثقة. والثقة بين الدول لا تبدأ دائماً من الملفات الكبرى؛ أحياناً تبدأ من معرفة أن مشكلة مواطن يمكن حلها، وأن شكوى تاجر ستصل إلى الجهة المختصة، وأن الحدود تعمل وفق قواعد لا وفق المزاج السياسي.
لكن الطريق ليس مضموناً. فالمنطقة لا تزال شديدة التقلب، والملف السوري نفسه محاط بتدخلات إقليمية ودولية، بينما يواجه العراق تحديات أمنية وسياسية واقتصادية متعددة. كما أن أي تغيير في البيئة الإقليمية يمكن أن يضغط على العلاقة ويعيد بعض الحسابات القديمة إلى الواجهة.
لهذا سيكون الاختبار الحقيقي في قدرة بغداد ودمشق على تحصين المسار الجديد ضد تقلبات السياسة.
وهذا يتطلب اتفاقات واضحة، ولجاناً مشتركة دائمة، وآليات اتصال مباشرة، ونظم معلومات متكاملة، وإجراءات جمركية ونقل مستقرة، وتعاوناً أمنياً يمنع الحدود من التحول إلى مصدر تهديد، وفي الوقت نفسه يحافظ على انسياب التجارة وحركة المواطنين. كما يتطلب قبل كل شيء الفصل بين الدولة وبين الذاكرة السياسية للأحزاب والأنظمة السابقة.
لا يمكن للعراق وسوريا بناء علاقة مستقبلية إذا ظل الماضي هو المؤسسة غير المرئية التي تدير الحاضر.
إطلاق سراح السائقين العراقيين وإعفاؤهم من الغرامات ليس حدثاً ضخماً في ميزان السياسة الإقليمية، لكنه يحمل دلالة تتجاوز حجمه. فهو يقول إن هناك مساحة يمكن أن تُدار فيها الخلافات بعيداً عن التصعيد، وإن المؤسسات تستطيع أن تتواصل، وإن المواطن يمكن أن يكون جسراً بين دولتين بدلاً من أن يكون ضحية لخلافاتهما.
وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي ينبغي مراقبتها في المرحلة المقبلة.
الاختبار الحقيقي للعلاقة الجديدة يكمن في قدرة المؤسسات على تحصين التعاون ضد تقلبات السياسة وتحويل المصالح اليومية إلى شبكة دائمة من المصالح المشتركة
هل ستتوسع القنوات المباشرة بين المؤسسات؟ هل ستصبح المعابر أكثر انتظاماً؟ هل ستتطور أنظمة الجمارك والربط الإلكتروني؟ هل تستقر حركة النقل والطاقة؟ وهل سيتمكن البلدان من بناء آليات دائمة لمعالجة المشكلات قبل أن تصل إلى الإعلام والسياسة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يجري لن يكون مجرد تحسن مؤقت في العلاقات العراقية السورية، وإنما انتقالاً تدريجياً من علاقة تحكمها الذاكرة إلى علاقة تحكمها المصالح.
وفي النهاية، لا تحتاج بغداد ودمشق إلى الاتفاق على كل شيء كي تبنيا علاقة مستقرة. ما تحتاجانه هو أن تتعلما إدارة الاختلاف من دون قطع الجسور، وأن تحولا المصالح اليومية من نقاط احتكاك إلى أدوات للتقارب. فالعلاقة بين دولتين لا تصبح مؤسساتية عندما تختفي الخلافات، وإنما عندما تصبح الخلافات قابلة للإدارة، وعندما تستمر المؤسسات في العمل حتى في وجودها.
لذلك قد يكون إطلاق سراح بضعة سائقين خبراً صغيراً، لكنه يختبر سؤالاً كبيراً: هل بدأت بغداد ودمشق بالفعل في بناء علاقة لا يكون فيها الماضي هو الذي يحدد المستقبل؟
الجواب لن يأتي من بيان سياسي، بل من تكرار هذه الخطوات الصغيرة وتحويلها إلى قواعد دائمة. فإذا نجح البلدان في ذلك، يمكن للحدود التي كانت طويلاً خطاً يفصل بين ذاكرات سياسية متنافسة أن تتحول تدريجياً إلى مساحة للمصالح المتبادلة، ويمكن للعلاقة العراقية السورية أن تنتقل من منطق القطيعة والشك إلى منطق أكثر هدوءاً: علاقة تعمل كل يوم، لأن مؤسساتها أصبحت أقوى من أزمات السياسة العابرة.
