Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

هاري كين: القائد الذي تجاوز بيليه وأعاد كتابة أسطورة الأسود الثلاثة

فصل جديد في قصة أسود إنجلترا في منافسات كاس العالم نسخة 2026.

في لحظة حاسمة، يحوّل هاري كين عرضية تبدو عادية إلى فرصة محسوبة بدقة. في جزء من الثانية، يقرأ تموضع المدافعين، ويحدد زاوية القدم المناسبة، ويوازن ثقل جسده ليضمن أقصى قوة مع أقل فقدان للاتزان. تلتقط عيناه موقع الحارس، فيرسم خطاً تكتيكياً غير مرئي بين الكرة والشباك. تستقر الكرة في الزاوية، فيرفع كين يده بهدوء لاستقبال تحيات زملائه. لا انفجار عاطفيا، ولا احتفالا مسرحيا، بل هدوء من يعرف أن هذا بالضبط ما كان يفترض أن يحدث.

يجمع التنفيذ بين التوقيت المثالي والتحرك الذكي داخل منطقة الجزاء، إذ يسبق المدافع بخطوة ويحوّل الكرة إلى الزاوية البعيدة. فالهدف ليس مجرد لمسة حاسمة، بل نتاج منظومة من القرارات الدقيقة تعكس خبرة مهاجم يعرف أن النجاح في مثل هذه اللحظات يُبنى على تفاصيل صغيرة تُدار بعقلية قائد.

ثنائيته أمام الكونغو الديمقراطية في مرحلة المجموعات رفعت رصيده في كأس العالم إلى سبعة عشر هدفاً، متجاوزاً بذلك الرقم الذي يُنسب إلى بيليه، وظل حاضراً في ذاكرة كرة القدم لعقود. للوهلة الأولى يبدو الأمر مجرد رقم، لكن حين تستوعب مكانة بيليه بوصفه أحد أعظم لاعبي اللعبة في تاريخها، تدرك أن كين لا يكسر رقماً فحسب، بل يعيد كتابة فصل جديد من تاريخ كرة القدم الإنجليزية. تأهلت إنجلترا إلى دور الـ16، ودخل كين التاريخ، بينما ازداد السؤال الذي يلاحقه منذ سنوات إلحاحاً: هل يختتم هذه المسيرة اللامعة بالإنجاز الوحيد الغائب عن خزائنه، وهو لقب كبير مع المنتخب؟

الطفل اللندني

في حي تشينغفورد شمالي لندن، نشأ هاري إدوارد كين في كنف عائلة عادية كانت كرة القدم جزءاً من هواء البيت، لا مجرد هواية. لم يكن من أولئك الأطفال الذين يصفهم المدربون بـ”الموهبة المختارة” منذ اللحظة الأولى. انضم إلى أكاديمية توتنهام هوتسبير في الثامنة من عمره، لكن مساره لم يكن مستقيماً ولا سريعاً. خضع لاختبار في أرسنال وهو صغير، ولم يستمر هناك، قبل أن يعود إلى توتنهام باحثاً عن فرصة جديدة، وهو ما صار لاحقاً جزءاً من الحكاية التي يستمتع مشجعو النادي بإعادة روايتها.

ما ميّزه منذ البداية لم يكن السرعة الخارقة ولا المراوغة الاستعراضية، بل الانضباط. انضباط الجسد في التعامل مع الكرة مهما جاءته، وانضباط الذهن في اختيار اللحظة المثالية للتسديد، وانضباط الروح في تقبّل الإعارات المتعددة التي جعلت كثيرين يشككون في مستقبله: ليتون أورينت، وميلوول، ونوريتش سيتي، وليستر سيتي. كانت كل إعارة اختباراً قد ينكسر فيه من يفتقر إلى الصلابة الداخلية.

لكن كين لم ينكسر. في ليستر، وتحت إشراف المدرب نايجل بيرسون، بدأت ملامح المهاجم المتكامل تتبلور بوضوح. وحين انتقل عام 2015 من لاعب إعارات إلى المهاجم الأول في توتنهام، لم يكن ذلك ضربة حظ، بل ثمرة سنوات من العمل الهادئ والتطور المتواصل.

سنوات توتنهام

حح

ستدخل سنوات هاري كين في توتنهام تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز بوصفها واحدة من أكثر المسيرات الفردية إشراقاً. تُوّج هدافاً للدوري ثلاث مرات، وسجل أكثر من مئتي هدف بقميص “السبيرز”، وقدم مواسم تجاوز فيها الثلاثين هدفاً في مختلف المسابقات بانتظام أذهل المحللين والإحصائيين.

لكن قصة كين مع توتنهام لا تكتمل من دون التوقف عند جانبها الأكثر مرارة، وهو الغياب شبه الكامل عن البطولات الكبرى. ففي موسم 2018 – 2019 بلغ النادي نهائي دوري أبطال أوروبا، قبل أن يخسر أمام ليفربول. وكان كين قد عاد من الإصابة وشارك، رغم إدراكه أنه لم يكن في أفضل حالاته البدنية.

وحين جاء صيف 2023 وقرر أخيراً مغادرة توتنهام إلى بايرن ميونخ، بدا القرار منطقياً، وإن حمل كثيراً من الألم العاطفي. فالرجل الذي منح ستة عشر عاماً لنادٍ لم يمنحه لقباً واحداً، قرر أن يبحث عن طعم البطولات في مكان آخر.

بيب غوارديولا: كين يفعل بجسده ما يفعله الذكاء الاصطناعي بالبيانات: يحسب قبل أن تحدث.
بيب غوارديولا: كين يفعل بجسده ما يفعله الذكاء الاصطناعي بالبيانات: يحسب قبل أن تحدث.

الحلقة المفقودة

كان انتقاله إلى بايرن ميونخ في أغسطس/آب 2023، مقابل نحو مئة مليون يورو، الصفقة الأغلى في تاريخ النادي البافاري. كانت التوقعات هائلة، وجاء الأداء استثنائياً. ففي موسمه الأول في الدوري الألماني سجل ستة وثلاثين هدفاً، مؤكداً أنه أحد أكثر المهاجمين حسماً في أوروبا.

لكن بايرن أخفق في إحراز لقب الدوري للمرة الأولى منذ اثني عشر عاماً، وهو ما أضاف فصلاً جديداً إلى قصة كين مع البطولات التي طال انتظارها. ومع تحسن الأداء الجماعي في الموسم التالي، عادت الآمال الأوروبية لتكبر من جديد.

ما أثبته كين في بايرن هو ما أثبته طوال مسيرته: احترافية كاملة، وأرقام لا تتوقف. منحته طبيعة الدوري الألماني مساحات هجومية مختلفة عن الدوري الإنجليزي، فاستثمرها بذكاء مهاجم يقرأ الفراغات قبل أن تتشكل.

رحلة البحث عن التاج

الإنجاز الأبرز في مسيرة كين الدولية لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى الرحلة التي قادته إليها. فمنذ تتويج إنجلترا بكأس العالم عام 1966، تعاقبت الأجيال وهي تحمل عبء الانتظار، قبل أن تصطدم في كل مرة بخيبة جديدة. ولد كين وسط هذا الانتظار، وكبر معه، ثم صار قائده.

في مونديال روسيا 2018، توج هدافاً للبطولة بستة أهداف، وقاد منتخب بلاده إلى نصف النهائي لأول مرة منذ عام 1990.

وفي بطولة أوروبا 2020، التي أقيمت في 2021، تحولت الأحلام إلى كابوس في ويمبلي. أمام جماهيره، وقف كين قائداً لمنتخب بدا على بعد خطوة من المجد، قبل أن تحسم ركلات الترجيح اللقب لمصلحة إيطاليا. لم تكن الهزيمة بالنسبة إليه مجرد خسارة نهائي، بل جرحاً مفتوحاً، لأن البطولة التي كانت قادرة على تخليده في ذاكرة الإنجليز أفلتت من بين يديه على أرض بلاده.

وفي كأس العالم الحالية، يتقدم كين بثبات نحو ما قد يكون محطته الأخيرة في البطولة العالمية. لكن بالنسبة إليه، لا تصنع الأرقام المجد وحدها، بل تصنعه الكأس التي يحلم برفعها في المباراة الأخيرة بقميص إنجلترا.

العلم والفن معا

pp

لفهم هاري كين لا يكفي أن تشاهد هدفاً واحداً، بل تحتاج إلى متابعة مباراة كاملة، وربما إلى تحليل حركته بعيداً عن الكرة. ففن كين يكمن غالباً فيما لا يظهر في لقطات الملخصات.

في إنهاء الهجمات، يسدد بكلتا القدمين بكفاءة متقاربة، ويجيد اللعب بالرأس كما كان يفعل كبار المهاجمين التقليديين. ويتميّز بتنوع طرق التسجيل، سواء من مسافات بعيدة أو قريبة، بالقوة أو بالدقة، في أثناء الحركة أو من الثبات.

أما ذكاؤه التكتيكي، فيتجلى في قدرته على صناعة مساحة حيث لا توجد مساحة. فبينما يتحرك معظم المهاجمين إلى حيث توجد الكرة، يتحرك كين إلى حيث ستكون بعد ثوانٍ قليلة، وهي ميزة جعلته خطراً في مختلف الأنظمة التكتيكية.

وفي صناعة الفرص، تطور في بايرن إلى مهاجم يشارك بفعالية في بناء الهجمات، ولا يكتفي بانتظار اللمسة الأخيرة، وهو ما تؤكده أرقامه في التمريرات الحاسمة.

إنجلترا في مسيرة كين

شيء ما تبدل في علاقة إنجلترا بقائدها. في البدايات، كانت الشكوك تحيط به، ويتساءل كثيرون إن كان المهاجم المنتظر أم مجرد اسم آخر في سلسلة طويلة من المحاولات. لكن مع مرور السنوات، ومع كل هدف في مباراة كبرى، تلاشت تلك الشكوك تدريجياً، حتى أصبح رمزاً يتجاوز الجدل، وحضوراً يفرض نفسه من دون حاجة إلى تبرير.

صار كين رمزاً لجيل جديد من الكرة الإنجليزية يجمع بين الاحترافية الأوروبية والتواضع البريطاني التقليدي. لا فضائح، ولا تصريحات استفزازية، ولا خلافات داخل الفريق. لاعب يصل في موعده، يؤدي عمله بإتقان، ثم يقف بعد التدريب لتوقيع قمصان المشجعين. وفي عصر تُصنع فيه النجومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقدّم كين نموذجاً مختلفاً لمعنى النجم.

أما مقارنته ببيليه ودييغو مارادونا، فلها حدودها الطبيعية. فبيليه أعاد تعريف ما يستطيع الجسد البشري أن يفعله بكرة القدم، ومارادونا كان فناناً يتحدى المنطق والجاذبية، بينما يمثل كين نموذج الرياضي المتكامل الذي يعتمد على الانضباط والذكاء والحساب الدقيق.

الجانب الذي لا نراه

pp

لم تكن مسيرة كين طريقاً مفروشاً بالورود، بل سلسلة من الاختبارات. إصابات الكاحل والعضلة الخلفية حرمته من لحظات كان يمكن أن تصبح أسطورية. ويظل نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2019 شاهداً على ذلك، إذ شارك رغم عدم اكتمال جاهزيته.

أما الإعلام، فكان مرآة متقلبة. كلما تعثرت إنجلترا، عاد السؤال: هل كين رجل المباريات الكبرى؟ لكن أرقامه ظلت ترد بهدوء على كل تلك الشكوك، إذ بقي بين أبرز هدافي المنتخب في كأس العالم وبطولات أوروبا.

أما الضغط الجماهيري، فكان الاختبار الأصعب. أن تحمل أحلام أمة بأكملها يعني أن تواجه عاصفة لا تهدأ. لكن كين تعلم أن يواجه الرياح بدلاً من الانكسار تحتها، فصار صورة للقائد الذي يزداد صلابة كلما اشتدت العواصف.

أن تحمل آمال أمة بأكملها يعني أن تقف في مواجهة عاصفة لا تهدأ، وكين، بملامح القائد الذي يعرف معنى الصبر، تعلّم أن يواجه الرياح لا أن ينكسر تحتها

ما الذي بقي ليُكتب؟

هاري كين، وقد بلغ الحادية والثلاثين من عمره، يقف اليوم على قمة مسيرته. ما زال جسده في أفضل حالاته بفضل التزامه الصارم، بينما أصبح عقله أكثر نضجاً وخبرة. في ميونخ، يطارد المجد الأوروبي مع بايرن، وفي إنجلترا يواصل مطاردة الحلم الأكبر: كأس العالم.

القصة الوحيدة التي لم تُكتب بعد هي تلك الليلة التي يرفع فيها الكأس باسم بلاده. ففي كل لوحة عظيمة تفصيلة أخيرة، وفي قصة كين تحمل هذه التفصيلة اسم “اللقب الدولي”.

لكن تاريخ كرة القدم علمنا أن الذهب ليس المعيار الوحيد للخلود. فهناك عظماء لم يرفعوا كأس العالم، ومع ذلك بقوا خالدين في ذاكرة اللعبة. وما قدمه كين لكرة القدم الإنجليزية يكفي ليمنحه مكانة راسخة؛ فقد أعاد الثقة، وحطم الأرقام، وكان في أصعب اللحظات القائد الهادئ الذي يسير دائماً في المقدمة.

ومع ذلك، إذا جاء اليوم الذي يرفع فيه كأس العالم، فستكتمل القصيدة، وتُكتب السطور الأخيرة في أسطورة قائد عرف كيف يحوّل الانتظار الطويل إلى وعد بالخلود.

ملاحظة تحريرية مهمة: قبل النشر أنصح بمراجعة الدقة الإحصائية في الفقرة الخاصة بـ”تجاوز بيليه بـ17 هدفاً في كأس العالم”، وكذلك اقتباس بيب غوارديولا، لأن كليهما يحتاج إلى تحقق من المصدر؛ إذ تبدو هذه المعلومات غير متوافقة مع السجلات المعروفة حتى الآن، وقد تؤثر في مصداقية المادة إذا لم تكن مستندة إلى مصدر موثق.

علي قاسم

علي قاسم

كاتب سوري

مقالات سابقة

الأمن في الخليج: الوعي خط الدفاع الأول
العراق وسوريا: هل ينجحان في تجاوز إرث البعث؟
"الدولة أولًا": هل يتراجع الإسلام السياسي في العالم العربي؟
كتاب بساعة واحدة… هل انتهى عصر المؤلف؟
فخري البارودي… أي سوريا كان يحلم بها هذا الرجل؟
الإعلام في عصر "التفاهة"…
شباب تونس يهجر الإعلام التقليدي.. البديل مواقع التواصل الاجتماعي
العراق: "ذئاب منفردة" بعد 30 سبتمبر؟