تراجع الإعلان وصعود المنصات والذكاء الاصطناعي يضغط على نموذج الصحافة العربية.
لندن- لم تعد أزمة الصحافة العربية مرتبطة فقط بجودة المحتوى أو قدرتها على مواكبة تحولات الجمهور، بل انتقلت إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بقدرة المؤسسات الإعلامية نفسها على الاستمرار. فالنموذج الاقتصادي الذي قامت عليه الصحافة لعقود يتعرض لضغوط متزامنة، مع تراجع الإعلان التقليدي، وتحول الجمهور إلى المنصات الرقمية، وارتفاع كلفة الإنتاج، ودخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى دورة صناعة الأخبار.
وفي السابق، كان الإعلان يمثل أحد الأعمدة الرئيسية لتمويل الصحف والمواقع والقنوات، بينما كان بيع المحتوى أو الاشتراكات مصدراً مكملاً. لكن انتقال المعلنين إلى المنصات الرقمية غيّر المعادلة بصورة عميقة. فالمؤسسات الإعلامية باتت تنتج المحتوى وتتحمل كلفته، بينما تذهب حصة مهمة من العائدات إلى منصات تمتلك الجمهور والبيانات والأدوات الإعلانية.
هذه المعادلة تضع الإعلام العربي أمام مفارقة صعبة: كلما توسع حضوره الرقمي، لم يكن ذلك يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في موارده المالية. بل إن ارتفاع أعداد المشاهدات والزيارات قد يتعايش مع ضعف الإيرادات، لأن القيمة الاقتصادية للجمهور أصبحت مرتبطة بالمنصة التي تملك بياناته وتتحكم في توزيع المحتوى أكثر من ارتباطها بالجهة التي أنتجت المادة الصحفية.
المشكلة لا تتوقف عند الإعلان. فالجمهور نفسه غيّر طريقة استهلاكه للأخبار. القارئ الذي كان ينتظر الصحيفة أو نشرة الأخبار بات يتلقى الأخبار بصورة متواصلة عبر الهاتف، وغالباً من أكثر من مصدر وفي أكثر من صيغة.
◄ في البيئة الرقمية، أصبحت الأخبار المضللة والمحتوى المولد آلياً والمعلومات غير الموثقة قادرة على منافسة المؤسسات المهنية بسرعة كبيرة
الفيديو القصير، والبث المباشر، والنشرات الصوتية، والمنشورات التفاعلية، والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، كلها أصبحت تنافس المادة الصحفية التقليدية على الوقت والانتباه. وفي هذه البيئة، لم تعد المؤسسة الإعلامية تنافس مؤسسة أخرى فقط، بل تنافس اقتصاداً كاملاً قائماً على جذب انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة.
وهنا تظهر أزمة أخرى: السرعة أصبحت معياراً تجارياً، بينما الصحافة المهنية تحتاج إلى وقت للتحقق والتدقيق والسياق. وكلما زادت المنافسة على النقرات والمشاهدات، أصبح من الصعب على المؤسسات أن توازن بين متطلبات السوق وضرورات العمل الصحفي.
يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد في لحظة تعاني فيها المؤسسات أصلاً من ضغوط مالية. فهو يوفر أدوات قادرة على تلخيص الأخبار، وإنتاج المسودات، وترجمة المواد، وتحليل البيانات، وإنتاج أشكال متعددة من المحتوى بسرعة وكلفة أقل.
وقد يكون ذلك فرصة لتخفيف الأعباء المالية ورفع الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يفرض سؤالاً حساساً حول مستقبل الوظائف الإعلامية. فإذا أصبحت بعض المهام التي كان يؤديها الصحفي أو المحرر أو المترجم قابلة للأتمتة، فإن المؤسسات قد تميل إلى تقليص فرق العمل بدلاً من توجيه الموارد التي توفرها التكنولوجيا إلى تطوير الصحافة نفسها.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي، بل في أن يؤدي ضغط الكلفة إلى إنتاج محتوى آلي على حساب المحتوى الأصلي والتحقيقات والتحليلات. وعندها قد تصبح وفرة المعلومات سبباً في زيادة ندرة الصحافة الموثوقة.
السؤال الاقتصادي الأساسي الذي تواجهه الصحافة العربية اليوم هو: من سيدفع مقابل الصحافة المهنية؟
◄ كلما زادت قدرة المؤسسة على تقديم ما لا تستطيع الخوارزميات والمنصات تقديمه بسهولة، زادت فرصتها في الحفاظ على جمهور مستعد للمتابعة والدفع والثقة
الإجابة لن تكون واحدة. فالاعتماد على الإعلان وحده أصبح أكثر صعوبة، والاشتراكات الرقمية تحتاج إلى جمهور مستعد للدفع، بينما لا تستطيع المؤسسات الصغيرة دائماً تحمل كلفة التحول التكنولوجي والاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي والتحقق الرقمي.
لذلك يبدو المستقبل أقرب إلى نموذج متعدد الإيرادات، يجمع بين الاشتراكات والإعلانات والخدمات الإعلامية والفعاليات والمحتوى المتخصص والشراكات، مع تطوير نماذج جديدة تجعل الجمهور نفسه جزءاً من المعادلة الاقتصادية.
لكن نجاح هذا التحول يتطلب شيئاً يتجاوز التكنولوجيا: بناء علاقة ثقة مع القارئ. فالمستخدم لن يدفع مقابل محتوى يستطيع الحصول على بديل مجاني له بسهولة، لكنه قد يدفع مقابل معلومة موثوقة، وتحقيق لا توفره المنصات، وتحليل يساعده على فهم ما وراء الخبر.
وهنا تتداخل أزمة التمويل مع أزمة المصداقية. فالصحافة التي تفقد ثقة جمهورها تفقد في النهاية جزءاً من قيمتها الاقتصادية، مهما كان حجم انتشارها.
وفي البيئة الرقمية، أصبحت الأخبار المضللة والمحتوى المولد آلياً والمعلومات غير الموثقة قادرة على منافسة المؤسسات المهنية بسرعة كبيرة. ولذلك فإن الاستثمار في التحقق والتحقيق والصحافة المتخصصة لم يعد ترفاً مهنياً، بل أصبح جزءاً من الاستثمار الاقتصادي في مستقبل المؤسسة.
المعادلة الجديدة قد تكون بسيطة في ظاهرها: كلما زادت قدرة المؤسسة على تقديم ما لا تستطيع الخوارزميات والمنصات تقديمه بسهولة، زادت فرصتها في الحفاظ على جمهور مستعد للمتابعة والدفع والثقة.
أزمة الصحافة العربية ليست إذاً أزمة ورق في مواجهة الإنترنت، ولا صحفي في مواجهة الذكاء الاصطناعي، بل أزمة نموذج كامل يعاد تشكيله تحت ضغط التكنولوجيا والاقتصاد وتغير سلوك الجمهور.
المؤسسات التي ستتمكن من البقاء لن تكون بالضرورة الأكبر حجماً، وإنما الأكثر قدرة على معرفة ما الذي يستحق أن يدفع الجمهور مقابله، وما الذي يمكن أن تقوم التكنولوجيا به، وما الذي يجب أن يبقى جوهره إنسانياً ومهنياً.
فالصحافة لا تحتاج فقط إلى مزيد من المحتوى، وإنما إلى محتوى له قيمة. ولا تحتاج فقط إلى جمهور أكبر، وإنما إلى علاقة أكثر عمقاً مع الجمهور. ولا تحتاج فقط إلى التكنولوجيا، وإنما إلى نموذج اقتصادي يجعل التكنولوجيا أداة لإنقاذ المهنة لا وسيلة لتقليصها.
