Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

المؤثرون يقتحمون الصحافة: هل انتهى زمن المؤسسات؟

الجمهور يثق في الأشخاص أكثر من المؤسسات، والخوارزميات تفرض قواعد جديدة على صناعة الخبر.

لندن- لم تعد الصحافة تملك وحدها مفاتيح الوصول إلى الجمهور. فخلال سنوات قليلة، انتقل جزء متزايد من صناعة الأخبار وتفسيرها من غرف التحرير إلى حسابات الأفراد، ومن الصحفي الذي يعمل تحت اسم مؤسسة إلى صانع محتوى يبني علامته الشخصية ثم يحولها إلى مصدر للمعلومات والتأثير.

لم يعد المؤثر مجرد منافس للصحيفة أو القناة على المشاهدات والإعلانات. في قطاعات متزايدة، أصبح ينافسها على شيء أكثر أهمية: ثقة الجمهور وقدرته على تحديد ما يستحق الاهتمام.

ويكشف أحدث تقرير لمعهد رويترز لدراسة الصحافة حجم التحول؛ إذ يحصل 27% من الجمهور العالمي الذي شمله الاستطلاع على الأخبار أسبوعياً من «صناع الأخبار» الذين ينتجون محتوى أساساً عبر شبكات التواصل والفيديو ولهم تأثير في النقاش العام. ويشير التقرير إلى أن الحدود بين الصحفي وصانع المحتوى أصبحت «ضبابية» بشكل متزايد.

كان نفوذ الصحفي في الماضي مرتبطاً بالمؤسسة التي يعمل فيها. اسم الصحيفة أو القناة كان يمثل ضمانة مهنية، وغرفة الأخبار هي التي تقرر ما ينشر، والمحرر هو الذي يراجع المادة، والمؤسسة تتحمل مسؤولية ما يصل إلى الجمهور.

المستقبل قد ينتمي إلى نموذج ثالث: صحافة مؤسساتية تنتج المعلومات الموثوقة، لكن يقدمها صحفيون يمتلكون شخصيات ومنصات وجمهوراً مستقلاً

أما النموذج الجديد فيبدأ من الطرف الآخر.

صانع المحتوى يبني جمهوره أولاً، ثم يستخدم هذا الجمهور لإنتاج الأخبار أو تفسيرها أو التعليق عليها. لا يحتاج إلى مكتب أو مطبعة أو شبكة مراسلين واسعة. يكفيه هاتف، ومنصة، وشخصية قادرة على جذب المتابعين.

فالمؤسسة تمتلك الموارد المهنية، بينما يمتلك المؤثر العلاقة المباشرة مع الجمهور. المؤسسة تستطيع التحقق من المعلومات، لكن المؤثر يستطيع نشرها خلال ثوانٍ. المؤسسة لديها محررون ومراسلون، بينما يمتلك صانع المحتوى مرونة أكبر في اختيار الموضوع واللغة والأسلوب.

والأهم أن المتابع يشعر في كثير من الأحيان بأنه يعرف الشخص الذي يتلقى منه المعلومات.

المفارقة أن الحدود بين النموذجين لا تتحرك في اتجاه واحد. فكما يدخل المؤثرون إلى مجال الأخبار، ينتقل الصحفيون أنفسهم إلى عالم المؤثرين.

صحفي يفتح قناة على يوتيوب، ومراسل يتحول إلى مقدم بودكاست، ومذيع يبني قاعدة جماهيرية على «إكس» أو تيك توك، وكاتب يستثمر اسمه في نشرة بريدية أو منصة اشتراك.

وهكذا يظهر نموذج هجين: الصحفي-المؤثر.

وتشير أبحاث معهد رويترز إلى أن عدداً من أبرز صناع الأخبار الرقميين هم في الأصل صحفيون سابقون أو حاليون، بينما يعمل آخرون بصورة مستقلة من دون تدريب صحفي تقليدي، لكنهم ينتجون محتوى تفسيرياً يشبه العمل الصحفي.

هذا النموذج قد يكون المستقبل الأكثر ترجيحاً للإعلام: ليس اختفاء الصحفي، وإنما تحوله من موظف داخل مؤسسة إلى علامة إعلامية مستقلة.

لكن التحول لا يتعلق فقط بمن يقدم الأخبار، بل بكيفية اختيارها.

في الإعلام التقليدي، تحدد الأولوية عوامل مثل أهمية الحدث، تأثيره السياسي والاجتماعي، قربه من الجمهور، ودرجة موثوقية المصادر.

على المنصات، تدخل عوامل أخرى: مدة المشاهدة، عدد التفاعلات، المشاركة، التعليقات، والصراع الذي يمكن أن يثيره الموضوع.

وهذا يخلق مشكلة جوهرية.

فالخبر الأكثر أهمية ليس بالضرورة الخبر الأكثر انتشاراً، والقصة الأكثر دقة ليست بالضرورة الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

◄ صانع المحتوى يبني جمهوره أولاً، ثم يستخدم هذا الجمهور لإنتاج الأخبار أو تفسيرها أو التعليق عليها. لا يحتاج إلى مكتب أو مطبعة أو شبكة مراسلين واسعة

ومع انتقال المؤسسات نفسها إلى المنصات، أصبحت مضطرة إلى التعامل مع القواعد التي تفرضها الخوارزميات. وتحذر منظمات مهنية أوروبية من أن شركات التكنولوجيا الكبرى والذكاء الاصطناعي أصبحا «حراس بوابة» جدد للمعلومات، بما يضع ظهور الصحافة وسلطتها واستدامتها الاقتصادية أمام اختبار متزايد.

هنا تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية للنموذج الجديد.

المؤثر يستطيع أن يتحدث مباشرة إلى جمهوره من دون المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات التحريرية. يمكنه التعليق على حدث بعد دقائق من وقوعه، والظهور أمام الكاميرا، والرد على التعليقات، وتعديل خطابه وفقاً لما يريده الجمهور.

لكن ما يبدو ميزة يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف.

فغياب غرفة الأخبار يعني في كثير من الحالات غياب المحرر والمراجع والمدقق. وإذا أخطأ المؤثر، فإن سرعة التصحيح قد لا توازي سرعة انتشار المعلومة الأصلية.

كما أن الجمهور قد لا يعرف دائماً أين ينتهي الخبر ويبدأ الرأي، أو أين تنتهي التجربة الشخصية ويبدأ الإعلان.

وهذه المشكلة تظهر بوضوح في مجالات مثل الطعام والسفر والموضة، حيث يستطيع المؤثر تحويل تجربة شخصية إلى قوة اقتصادية حقيقية، لكن السؤال يبقى حول مدى استقلالية هذه التوصيات عندما تدخل المصالح التجارية على الخط.

المفارقة الكبرى أن صعود المؤثرين يحدث في وقت تعاني فيه المؤسسات الإعلامية نفسها من أزمة ثقة.

الجمهور، وفق تقرير رويترز لعام 2026، أصبح أقل اهتماماً بالأخبار وأقل ثقة في وسائل الإعلام، بالتزامن مع صعود شبكات التواصل وصناع المحتوى والذكاء الاصطناعي كوسائط جديدة للوصول إلى المعلومات.

وهنا يجد المؤثر مساحة لم تكن متاحة في الماضي.

فهو لا يقدم نفسه بالضرورة باعتباره «مؤسسة إعلامية»، بل باعتباره شخصاً مستقلاً يقول لجمهوره: هذا ما رأيته، وهذا ما أعتقده، وهذا ما يجب أن تعرفه.

هذه اللغة الشخصية قد تكون أكثر جاذبية من اللغة المؤسسية، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر.

لكنها تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل الثقة في الشخص أكثر أماناً من الثقة في المؤسسة؟

المؤسسة يمكن محاسبتها عبر قوانين وأخلاقيات مهنية وهيئات تحريرية، بينما تعتمد مساءلة المؤثر بدرجة أكبر على الجمهور والمنصة.

الصراع بين نموذجين للإعلام: نموذج يقول إن السلطة تأتي من القواعد المهنية، ونموذج جديد يقول إن السلطة تأتي من الجمهور

رغم كل هذا التحول، من المبكر القول إن المؤسسات الإعلامية انتهت.

فالصحافة الاستقصائية، والتحقيقات الكبرى، وشبكات المراسلين، والتحقق من المعلومات، وإدارة المصادر، وإنتاج الملفات المعقدة، كلها تحتاج إلى موارد لا يستطيع معظم المؤثرين توفيرها بمفردهم.

لكن الذي ينتهي تدريجياً هو احتكار المؤسسة لدور الوسيط بين الحدث والجمهور.

قد تصبح المؤسسة في المستقبل مسؤولة عن إنتاج التحقيق والبيانات والتحقق، بينما يتولى الصحفيون وصناع المحتوى تقديمها للجمهور عبر شخصياتهم ومنصاتهم.

وهذا يفسر لماذا بدأت مؤسسات إعلامية كثيرة في التعاون مع صناع المحتوى بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم منافسين فقط. فالسؤال بالنسبة إليها لم يعد: كيف نمنع الجمهور من الذهاب إلى المؤثرين؟ بل: كيف نصل إلى الجمهور حيث يوجد؟

لذلك فإن الصراع الحقيقي ليس بين الصحفي والمؤثر، بل بين نموذجين للإعلام.

نموذج يقول إن السلطة تأتي من المؤسسة، ومن القواعد المهنية، ومن شبكة المصادر.

ونموذج جديد يقول إن السلطة تأتي من الجمهور، ومن القدرة على بناء علاقة شخصية معه، ومن الحضور المستمر على المنصات.

وربما لا ينتصر أحد النموذجين بالكامل.

فالصحافة التي تتجاهل المؤثرين تخاطر بفقدان الجمهور، والمؤثر الذي يتجاهل قواعد الصحافة يخاطر بفقدان المصداقية.

المستقبل قد ينتمي إلى نموذج ثالث: صحافة مؤسساتية تنتج المعلومات الموثوقة، لكن يقدمها صحفيون يمتلكون شخصيات ومنصات وجمهوراً مستقلاً.

عندها لن يكون السؤال: هل انتهى زمن المؤسسات؟

بل: هل تستطيع المؤسسات أن تعيش في زمن لم تعد فيه هي وحدها من يملك الجمهور؟

آخر الأخبار

عودة الإعلام إلى البيت الأبيض بعد قرار قضائي
صحيفة "ذا أوبزرفر" تجمع 10 ملايين جنيه إسترليني لدعم جهود التعافي
الصحافة العربية: تحولات اقتصادية تهدد البقاء
الإعلام في عصر "التفاهة"…