الرئيس المصري يدعو إلى تغليب الحلول السلمية في أفريقيا، ويراهن على القطاع الخاص ومنتدى العلمين لتحويل القارة إلى قوة اقتصادية صاعدة.
العلمين – دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، السبت، إلى تغليب الحلول السلمية للنزاعات واحترام وحدة الدول ودعم المؤسسات الوطنية، وذلك في كلمته الافتتاحية لنسخة منتدى “العلمين أفريقيا” بحضور حاشد من قادة القارة والمسؤولين الدوليين وممثلي مجتمع الأعمال.
وبدت كلمة السيسي، رغم طابعها الاقتصادي البارز، محمّلة برسائل سياسية وأمنية استراتيجية واضحة ترتبط ارتباطا وثيقا بخريطة النزاعات المعقدة والممتدة من السودان والقرن الأفريقي وصولا إلى منطقة الساحل وغرب القارة، مؤكدة أن الأمن والاستقرار يشكلان الحجر الأساس والبيئة الآمنة لأي تنمية مستدامة حقيقية.
وقال السيسي في مستهل كلمته “يجب على قارتنا الأفريقية أن تغلّب الحلول السلمية للنزاعات واحترام وحدة الدول ودعم المؤسسات الوطنية”، مشددا على أن “التنمية لا يمكن أن تُبنى في دول غير مستقرة”.
وتكتسب هذه الدعوة ثقلها من واقع جغرافي وسياسي مضطرب، حيث تعيش القارة على وقع بؤر توتر مشتعلة، ففي السودان تتواصل الحرب المدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، مخلفة أزمات إنسانية غير مسبوقة ونزوحا واسع النطاق، وهو ملف تمثله مصر باعتباره عمقا أمنيا مباشرا بحكم الجوار الجغرافي المشترك والتاريخي.
وفي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما زالت المواجهات المستمرة مع حركة “إم 23” تشكل تحديا جسيما أمام جهود التهدئة الإقليمية والدولية.
أما في منطقة الساحل الأفريقي، فتواجه دول عديدة تمددا خطيراً للجماعات المسلحة وسلسلة من الانقلابات العسكرية التي أضعفت بنية المؤسسات الوطنية وأفقدتها القدرة على السيطرة.
وفي الصومال، يستمر الصراع المحتدم مع حركة الشباب المتطرفة، بينما عاد التوتر مجددا إلى إقليم تيغراي في إثيوبيا عقب هجمات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على القوات الحكومية، وسط مخاوف إقليمية ودولية متصاعدة من استعادة سيناريو الحرب المدمرة التي شهدتها المنطقة بين عامي 2020 و2022.
وتجمع هذه البؤر الساخنة قاسما مشتركا يلخصه بدقة الخطاب المصري، وهو أن ضعف الدولة الوطنية وتآكل مؤسساتها يشكلان البيئة الخصبة والآمنة لتمدد الجماعات المسلحة والمشاريع الانفصالية.
ومن هنا يبدو الربط الذي يقيمه الرئيس المصري بين الأمن والتنمية قراءة سياسية عميقة بقدر ما هو توصيف اقتصادي بحت، إذ أشار إلى أن مدينة العلمين، التي كانت يوما شاهدة على مآسي التاريخ ومعاركه، أصبحت اليوم نموذجا حيا للتنمية الشاملة والازدهار المعماري والاقتصادي، مشددا على سعي مصر الدائم لبناء دولة عصرية قادرة على صياغة مستقبل أكثر عدالة واستدامة لشعبها وأشقائها.
وفي المحور الاقتصادي والتنموي، شدد السيسي على أن نهضة القارة الأفريقية وازدهارها هما حق مشروع ينبغي التمسك به والدفاع عنه، لافتا إلى أن القطاع الخاص يمثل المحرك الأكبر للاقتصادات الأفريقية.
ودعا الرئيس المصري إلى ضرورة تمكين القطاع الخاص من المشاركة الفاعلة في تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، مبينا أن منتدى “العلمين أفريقيا” للأعمال يوفر منصة قارية فريدة لحشد الجهود وتنسيق الرؤى لتنفيذ أجندة أفريقيا 2063.
دعوة القاهرة إلى “احترام وحدة الدول” ودعم المؤسسات المركزية تأتي في وقت تعاني فيه القارة من تفكك في بعض أجزائها وتنافس إقليمي محموم
كما تذكر الحضور بأن أفريقيا قارة شابة تزخر بموارد ضخمة وطاقات بشرية هائلة تؤهلها لقيادة الاقتصاد العالمي إذا ما توفرت الإرادة السياسية والتكامل المنشود، داعيا الجميع للمشاركة بفاعلية في كافة مسارات المنتدى وجلساته النقاشية.
من جانبه، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي أن المنتدى يمثل منصة جديدة وحيوية للحوار الأفريقي المشترك وبناء شراكات اقتصادية مستدامة، فضلا عن كونها مظلة فريدة لتعزيز الاستثمار والتنمية والتجارة البينية.
واستشهد عبدالعاطي بمشروع سد “جوليوس نيريري” العملاق في تنزانيا باعتباره شاهدا حيا على ما تستطيع الكوادر والشركات الأفريقية والمصرية تحقيقه عندما تتوحد الجهود نحو أهداف التنمية المشتركة.
أما رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، فرأى في المنتدى فرصة استراتيجية لتبادل الآراء وتعميق التعاون، لافتا إلى الحاجة الماسة لأن تعتمد القارة على آليات مالية مستقلة تشمل التعامل بالعملات المحلية لتخفيف الأعباء الاقتصادية، ووصف المنتدى بأنه علامة فارقة في مسيرة التحول الاقتصادي القاري.
يكتسب الخطاب المصري دلالاته من السياق الإقليمي والدولي الذي أُلقي فيه. فدعوة القاهرة إلى “احترام وحدة الدول” ودعم المؤسسات المركزية تأتي في وقت تعاني فيه القارة من تفكك في بعض أجزائها وتنافس إقليمي محموم، وتتزامن مع توترات دبلوماسية وتباينات في المواقف بين القاهرة وأديس أبابا.
ومن الصعب فصل هذه العبارات عن الحسابات الاستراتيجية لمصر، حيث تتبنى الدولة المصرية خطابا سياسيا يقدّم الدولة المركزية بوصفها الصمام الوحيد للاستقرار، ويحذر ضمنيا من مغبة دعم الجماعات المسلحة أو الكيانات الانفصالية التي تهدد الأمن القومي العربي والأفريقي.
وفي المقابل، يحرص الخطاب الاقتصادي على استثمار مكانة مصر التاريخية والجغرافية بوصفها البوابة الرئيسية الرابطة بين أفريقيا وعالمها العربي والدولي، مختارا لغة الشراكة الاقتصادية والمصالح المتبادلة والتجارة الحرة بدلا من لغة الخلاف والصراع.
ويمثل حضور مشروع سد جوليوس نيريري في الكلمات الرسمية رسالة بأن مصر تضع خبراتها الهندسية والتنموية في خدمة أشقائها الأفارقة كشريك حقيقي في البناء والتعرية لا كخصم في قضايا المياه والموارد.
وحين يؤكد الرئيس المصري أن “التنمية لا يمكن أن تُبنى في دول غير مستقرة”، فهو يرسم بوضوح خطا فاصلا بين مقاربتين متنازعتين لأمن القارة ومستقبلها، الأولى تؤمن بأن حل النزاعات يبدأ حصرا من تقوية الدولة المركزية وتماسك مؤسساتها الأمنية والتشريعية، والثانية تقبل بتسويات هشّة تمنح الأقاليم المتمردة والجماعات المسلحة وزنا سياسيا وعسكريا موازيا للدولة، مما يقود بالضرورة إلى تفكك الكيانات الوطنية وتصدعها.
ومن واقع تجربتها الخاصة منذ عام 2011 وما تواجهه من محيط مضطرب على حدودها الغربية والجنوبية، تنحاز مصر إلى المقاربة الأولى.
لهذا الخطاب مزدوج الأبعاد جمهورين رئيسيين، الأول هو الشركاء الحقيقيون من قادة أفارقة ورجال أعمال ومستثمرين دوليين يتطلعون إلى سماع رسائل اطمئنان بأن مصر تمثل وجهة استثمارية آمنة وبوابة لوجستية لتجارة القارة، فضلا عن دعمها المطلق لتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية والتعاملات المالية بالعملات المحلية.
والثاني هو الخصوم والأطراف الإقليمية التي تتقاطع مصالحها مع رؤية القاهرة، حيث تحمل عبارات “احترام وحدة الدول” رسائل ردع مبطنة ضد أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو توفير الغطاء السياسي للجماعات المسلحة على الحدود.
وتتقاطع هذه الرسائل مع ملف نهر النيل الحيوي، فبينما تتمسك القاهرة برفضها القاطع للسياسات الأحادية والإجراءات غير المنسقة في إدارة الأنهار الدولية، تقدم نفسها دائما بوصفها الطرف الباحث عن التوافق والتعاون الإقليمي المنضبط، مستندة إلى مبادئ القانون الدولي، بينما ترد الأطراف الأخرى بخطاب السيادة المطلقة والحق المطلق في التنمية.
ويتحول الحديث عن الاستقرار في هذا السياق إلى جزء محوري من صراع السرديات حول من يمتلك حق تمثيل شعوب القارة ومشروعية القرار السيادي.
وفي المقابل، يرى بعض المنتقدين أن التركيز المفرط على دعم الدولة المركزية وحدها قد يتجاهل أحيانا الأسباب الجذرية لبعض النزاعات الأفريقية التي نشأت أصلا بسبب سوء توزيع السلطة والثروة وتهميش الأقاليم، مما يجعل الاكتفاء بالقبضة الأمنية أو الدعم المؤسسي المطلق إجابة منقوصة.
كما يثير الربط بين الأمن والتنمية مخاوف لدى بعض الدوائر من تبرير تغليب الاعتبارات الأمنية على حساب الإصلاحات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما سيمثل التحدي الأكبر في مدى تقبل الشعوب الأفريقية لهذه المقاربة الشاملة.
