أمن الخليج لم يعد رهناً بالمظلة الأميركية وحدها بل يحتاج إلى شراكات متعددة وقدرات ذاتية تمنح القرار الوطني استقلالية أكبر وتقلل هشاشة الاعتماد الخارجي.
ظل الأمن الخليجي، لعقود طويلة، مرتبطاً بالوجود الأميركي في المنطقة. فمنذ حرب الناقلات في الثمانينات، ثم حرب تحرير الكويت، وصولاً إلى القواعد العسكرية وشبكات الدفاع الجوي والبحري والاستخبارات والتعاون الأمني، أصبحت الولايات المتحدة جزءاً من البنية الأمنية التي تشكلت حول الخليج. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الخليج يستطيع الاستغناء عن واشنطن، وإنما ما إذا كان يستطيع أن يبني أمنه بحيث لا يكون مرتبطاً حصراً بقرار قوة واحدة. فالتغيرات في أولويات القوى الكبرى، والحروب المتلاحقة، وتنوع مصادر التهديد، كلها تجعل الاعتماد الكامل على شريك واحد خياراً يحمل مخاطره. وفي المقابل، فإن الحديث عن “اعتماد ذاتي” كامل يبدو غير واقعي في منطقة تتداخل فيها المصالح الدولية بهذا العمق. المطلوب إذن ليس فك التحالفات، بل إعادة توزيع أوزانها.
لقد كانت الولايات المتحدة، ولا تزال، اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً في أمن الخليج. وتكفي الإشارة إلى حجم وجودها العسكري في المنطقة وشبكة منشآتها وشراكاتها الدفاعية لإدراك أن الحديث عن نهاية الدور الأميركي سابق لأوانه. لكن استمرار الوجود لا يعني ثبات المعادلة التي أنتجته. فقد تغيرت أولويات واشنطن خلال العقود الأخيرة، من الحروب البرية الطويلة إلى المنافسة مع الصين، ومن الانتشار العسكري المباشر إلى مطالبة الحلفاء بتحمل قدر أكبر من أعباء الدفاع. وحتى عندما تتراجع القوات أو يعاد توزيعها، لا يعني ذلك بالضرورة انسحاباً استراتيجياً، بل قد يكون جزءاً من إعادة ترتيب الأولويات والوسائل. وتظهر البيانات الحديثة أن الولايات المتحدة لا تزال مورداً رئيسياً للسلاح لدول المنطقة، فيما بلغ نصيبها أكثر من نصف واردات الشرق الأوسط من الأسلحة الرئيسية خلال 2021–2025.
لكن المشكلة الخليجية تبدأ عندما يتحول التحالف من مصدر قوة إلى مصدر وحيد للقوة. فالدولة التي تبني دفاعها على افتراض أن الحليف الخارجي سيكون دائماً مستعداً لخوض المعركة ذاتها، وفي التوقيت ذاته، وبالشروط ذاتها، تترك جزءاً من أمنها خارج نطاق قرارها الوطني. وهذه ليست مسألة تتعلق بالولايات المتحدة وحدها؛ إنها قاعدة عامة في العلاقات الدولية. الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها وحساباتها العالمية، والحلفاء الإقليميون يتحركون وفق مصالحهم المحلية. وقد تتطابق الحسابات في لحظة، ثم تتباعد في لحظة أخرى.
ولذلك فإن المطلوب خليجياً ليس التشكيك في التحالف الأميركي، وإنما تطوير مفهوم أكثر نضجاً للشراكة معه. فالتحالف الذي يقوم على تبادل المصالح والقدرات يمكن أن يكون أكثر استقراراً من علاقة تقوم على الحماية من طرف والاعتماد من الطرف الآخر. الخليج يحتاج إلى واشنطن، لكن واشنطن تحتاج أيضاً إلى الخليج: إلى ممراته البحرية، ومواقعه الإستراتيجية، وشبكاته الاقتصادية، وشراكاته السياسية، وقدرته على لعب دور في استقرار سوق الطاقة والتجارة العالمية. هذه العلاقة المتبادلة هي التي ينبغي أن تكون أساس المرحلة المقبلة، لا فكرة “المظلة” التي تجعل طرفاً حامياً وطرفاً محمياً.
التوازن المطلوب هو شراكات دولية مستمرة مع واشنطن وأوروبا وتركيا وباكستان يقابلها بناء قاعدة صناعية وعلمية خليجية تعزز السيادة وتوسع هامش المناورة الأمنية
ومن هنا يصبح تنويع الشراكات خياراً استراتيجياً، لا محاولة لمنافسة الولايات المتحدة. فتركيا يمكن أن تكون شريكاً في مجالات الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية، وباكستان تملك خبرة عسكرية وعلاقات تاريخية مع عدد من دول الخليج، بينما تستطيع الدول الأوروبية توفير التكنولوجيا والتدريب والتصنيع المشترك، إلى جانب قدراتها البحرية والجوية. وفي الوقت نفسه، يفتح التعاون مع قوى آسيوية مجالات أخرى في التكنولوجيا والفضاء والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. لكن قيمة هذه الشراكات لا تقاس بعدد الدول التي تبيع السلاح للخليج، بل بقدرتها على نقل المعرفة وبناء القدرات.
فالخطر في تنويع مصادر السلاح أن يتحول التنويع إلى مجرد تنويع للموردين، من دون تنويع حقيقي للقدرات. لذلك فإن شبكة الأمن الخليجية المقبلة يجب ألا تكون مجرد “سوق متعددة المصادر”، بل منظومة قادرة على دمج الأنظمة، وتبادل المعلومات، والعمل المشترك.
وهنا تبدأ الحلقة الأهم: الاعتماد على الذات. فالمعنى الحقيقي للاستقلال الأمني لا يكمن في تصنيع كل شيء داخل الخليج، فهذا هدف مكلف وغير واقعي، وإنما في امتلاك الحد الأدنى من القدرات التي تمنح الدولة هامشاً أوسع من القرار. وهذا يعني توطين الصيانة، وإنتاج قطع الغيار، وتطوير البرمجيات، وبناء أنظمة الاستشعار والمراقبة، وتوسيع القدرات في المسيّرات والأنظمة المضادة لها، والأمن السيبراني، والاتصالات الآمنة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والصناعات الإلكترونية.
والخليج بدأ بالفعل يتحرك في هذا الاتجاه، وإن كان بدرجات متفاوتة. السعودية، مثلاً، تستثمر في توطين الصناعة العسكرية ضمن رؤية 2030، فيما أصبحت الإمارات موطناً لشركات دفاعية إقليمية كبيرة. لكن هذه التحولات يجب ألا تُقرأ باعتبارها إعلاناً عن نهاية الاعتماد على الخارج.
المعركة الحقيقية ليست في نسبة ما يُنتج محلياً فقط، وإنما في نوعية المعرفة التي يتم توطينها. لذلك فإن الاستثمار في الجامعات ومراكز البحث والتطوير والتعليم الهندسي والأمن السيبراني ليس إنفاقاً خارج المجال الأمني؛ إنه في صميم الأمن ذاته.
كما أن الاعتماد الذاتي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مشروعاً وطنياً منفرداً لكل دولة خليجية. فالسوق الخليجية مجتمعة أكبر، والموارد المتاحة أكبر، والاحتياجات الدفاعية متقاربة، والتهديدات العابرة للحدود لا تتوقف عند دولة واحدة. لذلك فإن التصنيع المشترك، وتبادل المعلومات، والتدريب الموحد، وربط أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير منظومات دفاعية خليجية مشتركة، يمكن أن تكون أكثر فاعلية من تكرار المشاريع ذاتها في ستة مسارات منفصلة.
وهنا يمكن أن يتحول الأمن إلى أحد المجالات التي تعيد تعريف مفهوم التكامل الخليجي. فبدلاً من أن يكون التعاون مجرد تنسيق سياسي في أوقات الأزمات، يمكن أن يصبح مشروعاً طويل الأمد. عندها يصبح الخليج أقل اعتماداً على الخارج ليس لأنه أغلق أبوابه، وإنما لأنه أصبح يمتلك ما يكفي من القدرات لكي يدخل الشراكات الدولية من موقع أقوى.
وهذا هو جوهر التوازن المطلوب. فالاعتماد على الذات من دون شراكات دولية قد يقود إلى العزلة، بينما الاعتماد الكامل على الخارج قد يقود إلى هشاشة القرار. وبين الاثنين توجد مساحة أكثر واقعية: شراكات أميركية مستمرة، وعلاقات دفاعية أوروبية، وتعاون مع تركيا وباكستان ودول آسيوية، وفي الوقت نفسه بناء قاعدة صناعية وعلمية خليجية تستطيع تقليل نقاط الضعف وتعظيم هامش المناورة.
التحالفات قد تحمي الحدود، لكن الإرادة الذاتية هي التي تمنح الأمن معناه السياسي وتصنع للسيادة مجالها الحقيقي.
