الربط بين “أوسلو” وبين حرب غزة اليوم يكشف وحدة الهدف والغاية وهي إيجاد تقاطعات بيئة استغلها نتنياهو لإطلاق حربه الهادفة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط .
لقد خلصتُ في مقالات سابقة إلى أن كل ما يحدث يتعلق بشكل أو بآخر بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، وأن اتفاق أوسلو، على الرغم من كل ثغراته وعثراته البنيوية، مثّل في جوهره المحاولة التاريخية الأولى لإنشاء أول كيان سياسي فلسطيني، ليكون صاحب التمثيل الشرعي والوحيد، والعمل على تثبيته، لانتزاع “القرار الفلسطيني” من أيدي الرعاة الإقليميين ليكون في يد أصحابه لا بيد غيرهم.
واليوم، ومع تتالي التطورات وتكشف التسريبات الاستخباراتية والشهادات السياسية المتلاحقة، تتضح أبعاد الصراع الاستراتيجي بأوضح صورها؛ من حيث أنه لم تكن محاربة أوسلو مجرد خلاف سياسي أو وجهة نظر حركية، بل كانت مشروعاً هيكلياً تقاطعت فيه أدوات “الوكالة” الإقليمية مع غايات اليمين الإسرائيلي المتطرف لإجهاض أي كيانية فلسطينية موحدة، وإعادة رهن القضية لغرف العمليات الإقليمية والدوافع الفئوية الضيقة.
إن القراءة المتأملة لواقع حركة حماس وسلوكها التاريخي تُظهر بجلاء، أنها تفتقر بالكامل إلى الحس الوطني والقومي، شأنها في ذلك شأن تنظيمها الأم “الإخوان المسلمين”، والذين لا يؤمنون بالأوطان، ولا يَرون أن حياة الإنسان لها قيمة، وتاريخ وسياسة هذه الجماعة وتفرعاتها يُثبت بما لا يدعو للشك أن كل ما يقومون به لا يقيم وزناً لحياة الإنسان، ولا يصب إلا في تفكيك المجتمعات العربية، وتفرقة المسلمين، وهدم قواهم الداخلية ومقدراتهم الذاتية، وجعل الأمة برمتها لقمة سائغة للطامعين والخصوم؛ وذلك بتقديم الأجندات العقائدية والمصالح التنظيمية العابرة للحدود دائماً على حساب سلامة الأوطان وسيادتها ومصالح شعوبها الحيوية، بل وحياتهم.
ومن هذا المنطلق، نجد أن نشأة حركة حماس في أواخر الثمانينيات لم تكن مجرد صحوة إسلامية تلقائية كما يُروَّج في أدبياتها، بل حظيت برعاية وتسهيل مباشرين من الحكم العسكري الإسرائيلي وبالتحديد منذ عام 1973؛ إذ رأت تل أبيب بعد ذلك في ترخيص وترسيخ حضور “المجمع الإسلامي” أداة الهندسة الاجتماعية الأكفأ لضرب الحركات الوطنية العلمانية، وكسر احتكار منظمة التحرير الفلسطينية للشارع الوطني والعربي. لقد غضت إسرائيل الأبصار عمداً عن تدفق أموال التأسيس وبناء الشبكات الدعوية والمؤسساتية لحماس، لا حباً في الإسلام السياسي بالطبع، بل لإدراكها المبكر أن تعزيز التيار العقائدي الراديكالي هو الوصفة الناجحة لتفكيك النسيج الوطني، وتحويل قضية التحرر الوطني والسياسي ذات البعد الدولي إلى صراع ديني مفتوح يُسهّل شيطنته على المستوى الدولي ويبرر الاحتلال والاستيطان بشكل أو بآخر.
اتفاق أوسلو مثّل أول محاولة تاريخية لانتزاع القرار الوطني الفلسطيني المستقل بعيداً عن الوصاية الإقليمية، ليصبح الفلسطينيون أصحاب قرارهم السياسي والشرعي الوحيد
ولم تقف حدود هذا التواطؤ عند بدايات النشأة الأولى، بل اتسعت دائرة التقاطعات الوظيفية عبر العقود لتتحول إلى شبكة أمان متقاطعة الأهداف، تشمل أطرافاً فلسطينية عديدة ادّعت “الإصلاح” أو “الديمقراطية”، وغيره من الشعارات، وعلى سبيل المثال ما يُسمى بـ”تيار الإصلاح الديمقراطي” الذي يرأسه محمد دحلان ويُمثّل سفيان أبو زايدة أحد أبرز قيادييه. التي كشفت الشهادات الأخيرة عن وجود قناة اتصال خلفية وممتدة لنقل التقديرات والرسائل بين القيادي في حركة حماس يحيى السنوار ورئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) رونين بار، عبر ذلك الوسيط “الإصلاحي” والذي لم أفهم ما هي الصفة الرسمية التي تخوله الاتصال بالإسرائيليين على هذا المستوى الأمني العالي.
وعليه فإنني أجد أن الانخراط في “دبلوماسية المسار الثاني” (Track II Diplomacy) للالتفاف على منظمة التحرير والسلطة الوطنية لم يكن مجرد بحث عن حلول إنسانية نفعية، بل مثّل تخادماً سياسياً وعملياتياً مريباً قبل أحداث 7 أكتوبر؛ حيث تحول تيار “دحلان” إلى جسر وظيفي يتقاطع مع حماس بهدف صريح يتركز في إضعاف القيادة الشرعية، ومحاصرة ثقلها الانتخابي، ويتجلى ذلك أيضاً فيما صدر من أخبار عن تفاهمات بينها يتعلق بالانتخابات التشريعية القادمة والتي تناست فيها الأطراف تماماً الانقلاب الدموي الذي قامت به حماس في غزة عام 2007 لحساب موازين القوة والنفوذ. لقد أتاح هذا المسار الموازي لإسرائيل إدارة الصراع عبر إستراتيجية التجزئة والاستفراد، وتحويل القضايا السيادية الوطنية إلى مجرد ملفات أمنية وإنسانية معزولة.
ولم يقتصر هذا الانزلاق والتخادم على تيار دحلان وحده، بل امتد ليتورط فيه العديد من الشخصيات والتنظيمات التي أعمتهم الخصومات الضيقة، فسقطوا في فخ التحالف والتقاطع مع تيار دحلان وحركة حماس على حد سواء، في مسعى بائس للتخلص من العقبة الكبرى والصلبة التي تقف سداً منيعاً في وجه مخططاتهم لتدمير الكيانية الفلسطينية، والمتمثلة في شخص الرئيس محمود عباس والشرعية المؤسسية. لقد تناسى هؤلاء أن التاريخ والتجربة الوطنية الممتدة علّمانا حقيقة ساطعة لا تقبل التشكيك: إن التاريخ السياسي الفلسطيني لا يرحم هؤلاء الباحثين عن الصفقات الجانبية؛ فكل من توهم أنه أصلح من الكيانية الجامعة أو أكبر من الشرعية الوطنية، انتهى به الحال مجرد هامش في كتاب الثورة، حيث تبقى المؤسسة والرمزية، ويندثر الخارجون على إيقاعها.
وفي مقابل هذه الخيارات الأحادية والتوافقات غير الرسمية التي هددت تجانس الكيانية الوطنية، نرى كيف تجلت حكمة القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس وبُعد نظرها الاستراتيجي في اتخاذ قرارات حاسمة كانت تتلقى في وقتها التشكيك وعدم الفهم، وفي مقدمتها القرار التنظيمي الصلب بفصل محمد دحلان وكوادر تياره من حركة فتح، ومن بعده ناصر القدوة، وعقد مؤتمر فتح الثامن. لقد أثبتت الأيام والشهادات اللاحقة صحة هذا القرارات وصوابيتها في حماية البيت الداخلي؛ إذ يعكس إدراك القيادة بواقع المخططات الإقليمية والمحلية الهادفة لخلق شرعيات وظيفية بديلة، ومسارات أمنية موازية تصادر استقلالية القرار الوطني وتعيده للارتهان لهذه العاصمة أو لتلك، على الرغم من التكلفة السياسية الباهظة والضغوط الإقليمية المباشرة الناتجة عن تلك القرارات.
وهنا أعود لأقول إنه لم تكن العلاقة بين بنيامين نتنياهو وحركة حماس مجرد إدارة صراع أمني طارئ، بل يعود جوهرها الوظيفي إلى ما قبل وصوله الأول لسدة الحكم عام 1996، حين أسهمت موجة العمليات التفجيرية التي نفذتها حماس في زيادة تحريض اليمين على إسحاق رابين والذي أدى لاحقاً لاغتياله وكذلك في تقويض فرص شمعون بيريز بعده وإسقاط خيار أوسلو خدمة له ووصول نتنياهو نفسه لسدة الحكم. ومع مرور السنوات، تحول هذا التقاطع إلى تحالف وظيفي غير مكتوب؛ فكلما واجه نتنياهو أزمة سياسية داخلية أو تهديداً بالمساءلة، كانت جولات الصواريخ المتبادلة تُستدعى لتوفير طوق نجاة تحت شعارات الأمن القومي. وقد تجلت هذه الإستراتيجية في إصرار نتنياهو على ضخ المليارات لغزة وتأمين شريان الحياة لحماس عبر نظام “التغذية العكسية”، متجاهلاً تحذيرات استخباراته، “والتي أعتقد أنها متواطئة معه بشكل كامل أيضاً”؛ لأن بقاء سلطة حماس كان الضمانة الوحيدة لترسيخ الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وتكريس مقولة “غياب الشريك الموحد” لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.
حماس كامتداد لجماعة الإخوان قدّمت الأجندة العقائدية على حساب الأوطان فساهمت في تفكيك المجتمعات العربية وأضعفت الكيانية الفلسطينية خدمةً لمصالح خارجية
وهنا يسلط علم الاجتماع السياسي الضوء على التناقض البنيوي و”البراغماتية المتكيفة” لدى حركة حماس؛ فبينما يستمر خطابها التعبوي والعقائدي الموجه للشارع الفلسطيني والعربي في تخوين التنسيق والتفاوض، كانت في ذات الوقت تمد قنوات اتصال سرية ومباشرة عبر قيادات مثل غازي حمد وغيره، وعبر دول إقليمية لإدارة معادلة “التهدئة مقابل التسهيلات المالية”، بهدف تثبيت سلطة الأمر الواقع وتجنب استحقاقات الشراكة الوطنية.
وفي اللحظة التي كانت فيها إسرائيل تترنح على أعتاب انقسام اجتماعي وأزمة وجودية غير مسبوقة قد تؤدي لحرب أهلية جراء التعديلات القضائية والصراعات الداخلية وتغول اليمين المتشدد في ساحة ديزنغوف في تل أبيب، جاء “7 أكتوبر” ليكون خدمة مجانية على طبق من ذهب لليمين الفاشي؛ حيث انتشل نتنياهو من مقصلة المحاسبة الداخلية وبوادر الحرب الأهلية، ليمنحه المبرر المثالي للهرب إلى الأمام وتفويضاً بإعادة هندسة المنطقة بالحديد والنار فوق أنقاض غزة والأهم الاستمرار في الحكم!
ولعل الغريب في هذا المشهد الشائك، والذي ينضح بمرارة إستراتيجية، هو أنه بات من الواضح بشكل شبه كامل أن الجميع كان يعلم بما سيحدث ومقبل عليه في 7 أكتوبر، من قادة حماس، إلى قيادات تيار دحلان، ونتنياهو ورؤساء أجهزته الأمنية، والوسطاء الإقليميين والدوليين؛ فالجميع كانوا على علم بدواعي الانفجار ورسائل الإنذار وتفاصيل التهديدات، باستثناء طرف واحد وحيد دفع الثمن كاملاً من دمه ووجوده: إنه الشعب الفلسطيني العظيم في قطاع غزة الذي تُرك يواجه جحيم المصير أعزلاً بلا أمان ولا تدابير حماية. وليس أقل عجباً ولا أكثر ريبة من هذا الانكشاف، سوى توقيت خروج هذه الشهادات والتسريبات بالذات؛ إذ لم تنطق هذه القيادات السياسية والأمنية بتفاصيل تحذيراتها وقنواتها السرية إلا بعد أن جرت حرب الإبادة، ووصلت ألسنة اللهب إلى مبتغاها الهيكلي، وأجهزت على الأخضر واليابس. أليس شيئاً مريباً من كافة الأطراف أن تلتزم الصمت بينما يُعد المسرح، ولا تخرج بشهاداتها المتباهية إلا فوق أنقاض غزة وجثث أطفالها، وكأن أدوارهم اكتملت بتوفير التغطية والتبرير بعد فوات الأوان وتمرير المخطط؟
وفي هذا السياق المتكامل تتضح الصورة الكاملة لخطاب نتنياهو في 9 أكتوبر 2023 حين أعلن صراحة أن “هذه الحرب ستغير شكل الشرق الأوسط”، إذ لا يمكن لقرار بهذا الحجم الشامل والأبعاد الهيكلية أن يولد كرد فعل لحظي في غضون 48 ساعة فقط، بل يعكس تفعيل سيناريوهات جاهزة ومخططة مسبقاً، وبتواطؤ مريب من مختلف الأطراف وإن التسريبات الاستخباراتية تُبين كيف استُغلت هذه اللحظة لتنفيذ الإستراتيجية التاريخية لليمن الفاشي والمتمثلة في إنهاء أثر أوسلو كلياً، وتصفية أي تمثيل فلسطيني موحد، وتمرير إعادة رسم الخارطة الإقليمية برمتها.
وضمن هذا السياق الممتد، تتكشف حقيقة الأدوار الإقليمية لداعمي حماس وعلى رأسهم إيران ودول إقليمية أخرى، وأدواتهم من أفراد وتنظيمات والتي تتقاطع نفعياً مع الغايات الأمريكية-الإسرائيلية والتي استمرت حتى وصول ترامب لسدة الحكم من جديد؛ وأقول ذلك من منطلق اعتقادي بأن المشروع القديم الذي استمر لفترة طويلة قد صدر القرار بإنهائه وأن هناك مشروعاً جديداً بلاعبين جدد قيد التنفيذ، وأن هذا المشروع يحتم التخلص من كل من عمل في المشروع القديم من أشخاص ومكونات، وإن كان لا يزال هناك بعض المقاومة للمشروع الجديد والتي أرى أنها في طريقها للاندثار.
حماية المكتسبات الوطنية اليوم تتطلب التمسك المطلق بالقرار الفلسطيني المستقل وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير كمرجعية حصرية بعيداً عن صفقات جانبية وشرعيات وظيفية بديلة
إن الربط بين “أوسلو” وبين حرب غزة اليوم يكشف وحدة الهدف والغاية وهي إيجاد تقاطعات بيئة استغلها نتنياهو لإطلاق حربه الهادفة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على جثة القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
وعليه فإن حماية المكتسبات الوطنية وصيانة الهوية الكيانية تتطلبان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التمسك المطلق بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، وإعادة الاعتبار الكامل والمؤسسي لدور منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية كمرجعية حصرية وحيدة، بعيداً عن أوهام التسويات المنفردة، والتوافقات الفصائلية الضيقة، والارتهانات لأجندات المحاور الإقليمية؛ فالشرعية الوطنية ليست خياراً تفاوضياً يُستبدل في أروقة الصفقات، بل هي الركيزة الأولى والأخيرة لحماية الوجود السياسي الفلسطيني وصيانة مشروعه الوطني المستقل.
وتظل حقيقة هذا الصراع كأصدق ما وصَفَه الشاعر الخالد محمود درويش حين صرخ في وجه المزادات والوكالات الإقليمية:
“قَتَلوكَ كَيْ يَرِثُوا نِداءَك فِي المَزَادِ
قَتَلُوكَ كَيْ يَبْعَثُوا مَكَانَكَ كُلَّ مَنْ يُحْسِنُ الإِصْغَاءَ كَيْ يَبِيعَ القَضِيَّةَ فِي زَمَنِ المَزَادِ…”
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.
