Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

الصين تقرأ حرب إيران كاختبار للردع الأميركي

واشنطن أظهرت قدرة كبيرة على إسقاط القوة لكنها استنزفت موارد وشبكات دفاعية في الشرق الأوسط.

بكين – لا تتوقف دلالات الحرب عند نتائج الضربات التي استهدفت القدرات العسكرية والمنشآت الإيرانية، بل تمتد إلى ما يمكن أن تستخلصه القوى الكبرى من طريقة إدارة واشنطن لصراع طويل في الشرق الأوسط. وفي مقدمة هذه القوى الصين، التي تراقب منذ أشهر حجم القوة الأميركية المستخدمة في المنطقة، والموارد التي استُنزفت، والضغوط التي انتقلت إلى شبكة التحالفات الأميركية في آسيا.

ويرى تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنترست» أن الحرب أظهرت مجدداً ضخامة القوة الأميركية، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن هذه القوة ليست بلا حدود.

ويضع الباحثان جداليا أفترمان وكارولين ديبل المسألة في إطار أبعد من تقييم الأداء العسكري. فواشنطن، وفق قراءتهما، نجحت في استخدام قوة كبيرة للدفاع عن إسرائيل وضرب إيران، لكن الحرب لم تنتج حتى الآن نظاماً إقليمياً أكثر استقراراً، فيما بقيت إيران قادرة على تهديد دول الخليج والملاحة عبر مضيق هرمز، واستمر الحوثيون في الضغط على السعودية والبحر الأحمر.

ومن وجهة نظر الباحثين، فإن السؤال الذي يهم الصين ليس فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الانتصار في معركة، بل كم تستطيع أن تتحمل عندما تتزامن أكثر من أزمة استراتيجية.

وتشكل هرمز في هذا السياق مثالاً مهماً. فالحرب لم تؤد إلى خروج إيران من المشهد البحري، وإنما أدت إلى اضطراب شديد في أحد أهم الممرات العالمية للطاقة. وأظهرت بيانات حديثة أن عبور السفن التجارية الكبيرة عبر المضيق هبط الاثنين إلى سفينتين فقط، مقابل متوسط يقارب 125 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب في فبراير، في مؤشر على حجم الاختلال الذي أصاب حركة التجارة والطاقة.

وبالنسبة إلى بكين، فإن هرمز يقدم درساً مختلفاً عن مفهوم التفوق العسكري التقليدي. فالدولة التي تملك القدرة على تعطيل ممر بحري حيوي لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة حتى تفرض عليها تكلفة استراتيجية. يكفي أن تجعل حماية الممر وتأمين الحلفاء واستقرار الطاقة جزءاً من فاتورة عسكرية واقتصادية متصاعدة. وهذه إحدى النقاط الأساسية التي يرى الباحثان أن الصين تدرسها في الحرب الإيرانية.

السؤال الذي يهم الصين ليس فقط ما إذا كانت واشنطن قادرة على الانتصار في معركة، بل كم تستطيع أن تتحمل عندما تتزامن أكثر من أزمة استراتيجية

ولا يعني ذلك أن بكين ستكرر النموذج الإيراني في مضيق تايوان. فالفارق في الجغرافيا والتوازنات العسكرية والقانون الدولي كبير، كما أن تايوان تمثل بيئة استراتيجية مختلفة جذرياً عن هرمز. لكن تجربة الشرق الأوسط تسمح للصين بطرح سؤال أكثر أهمية: كيف ستتوزع الموارد الأميركية إذا اندلع نزاع طويل في المحيط الهادئ بينما تبقى واشنطن ملتزمة في الوقت نفسه بحماية مصالحها في الشرق الأوسط وأوروبا؟

هذا السؤال بات أكثر حساسية بعدما انتقلت بعض آثار الحرب إلى آسيا. ويقول تحليل «ناشونال إنترست» إن الولايات المتحدة أعادت نشر أصول بحرية ودفاعية إلى الشرق الأوسط، وإن المخزونات الأميركية من صواريخ الاعتراض تعرضت لضغوط كبيرة خلال العمليات. ويقدر الباحثان أن القوات الأميركية أطلقت نحو 1500 صاروخ اعتراض من طراز «باتريوت» بين فبراير ويوليو، مع بقاء أقل من 850 في المخزون، وهي أرقام يوردها المقال ضمن قراءته لتكلفة الحرب على القدرة الأميركية متعددة المسارح.

وحتى إذا بقيت هذه الأرقام تقديرات تحليلية وليست كشفاً رسمياً أميركياً شاملاً للمخزونات، فإن الاتجاه الأوسع تؤكده فكرة أكثر وضوحاً: الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والأصول البحرية التي تستخدم في الشرق الأوسط لا يمكن استخدامها في الوقت نفسه لردع خصوم آخرين. وهنا تصبح الحرب الإيرانية مرتبطة مباشرة بالحسابات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، حتى من دون أن تنتقل العمليات العسكرية إلى آسيا.

وتبرز تايوان في قلب هذه المعادلة. فقد أشار التحليل السابق إلى أن إدارة ترامب أوقفت مؤقتاً حزمة أسلحة محتملة لتايوان بقيمة تصل إلى 14 مليار دولار، بدافع الحفاظ على مخزونات كافية للحرب مع إيران، كما تحدث ترامب عن إمكان استخدام حزمة الأسلحة كورقة تفاوضية في العلاقة مع الصين.

وهنا يتجاوز الأمر مسألة التأخير اللوجستي. بالنسبة إلى الحلفاء الآسيويين، ثمة فارق بين نقص مؤقت في الذخائر يمكن تعويضه، وبين الشعور بأن الالتزام الأميركي نفسه يمكن أن يتأثر بمفاوضات أو حسابات مرتبطة بمسرح آخر. ولهذا تراقب تايوان واليابان وكوريا الجنوبية الإشارات القادمة من واشنطن، خصوصاً في ظل تزايد النقاش حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من أزمة كبرى في وقت واحد. وقد نقلت «رويترز» بالفعل قلقاً لدى حلفاء آسيويين من احتمال استخدام ملف تايوان كورقة تفاوض مع بكين في قمة ترامب-شي.

اليابان تبدو الأكثر تعرضاً لهذه المعادلة من زاوية الطاقة. فجزء كبير من وارداتها النفطية يمر عبر الخليج، ما يجعل أمن هرمز مرتبطاً مباشرة بأمنها الاقتصادي. وإذا أصبح الأسطول الأميركي مطالباً بحماية الملاحة في الخليج وشرق آسيا في الوقت نفسه، فإن طوكيو ستواجه سؤالاً حول حجم الدور الذي يتعين عليها أن تلعبه هي في حماية طرق الطاقة والدفاع الإقليمي. وهنا يظهر أحد الاتجاهات التي يمكن أن تتسارع في آسيا: زيادة تقاسم الأعباء مع الولايات المتحدة بدلاً من الاعتماد الكامل عليها.

واشنطن نجحت في استخدام قوة كبيرة للدفاع
واشنطن نجحت في استخدام قوة كبيرة للدفاع

أما كوريا الجنوبية، فتقرأ الحرب من زاوية مختلفة. فوجود كوريا الشمالية يجعل أي تخفيض في التدريبات أو إعادة توزيع للقوات والمعدات مسألة حساسة للغاية. ويشير التحليل الأميركي إلى أن تقليص مدة المناورات الأميركية الكورية الجنوبية المشتركة، وربطه بالحرب مع إيران وعلاقة ترامب بزعيم كوريا الشمالية، يمكن أن يعزز القلق في سول بشأن احتمال انتقال الخلافات السياسية مع واشنطن إلى صميم التخطيط الدفاعي للتحالف.

والفلبين بدورها تواجه ضغوطاً صينية متزايدة في بحر الصين الجنوبي، وهي دولة مرتبطة بالولايات المتحدة بمعاهدة دفاعية. وإذا أصبح واضحاً أن واشنطن تحتاج إلى توزيع مواردها بين الشرق الأوسط وآسيا، فإن مانيلا ستحتاج إلى تقدير حدود المساعدة الأميركية في أزمة طويلة. وهذا لا يعني تراجع التحالف، لكنه قد يدفع الحلفاء إلى الاستثمار أكثر في قدراتهم الذاتية وفي الشراكات الإقليمية.

غير أن أكبر المستفيدين من هذا النقاش قد تكون الصين نفسها، ليس لأنها أصبحت أقوى عسكرياً من الولايات المتحدة، وإنما لأن الحرب تمنحها فرصة لتقديم نفسها بوصفها قوة تملك خيارات أقل كلفة في إدارة الأزمات. وقد تحركت بكين دبلوماسياً خلال الحرب، داعية إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس وإحياء المفاوضات، كما دعت إلى إعادة فتح هرمز حفاظاً على تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتملك الصين في الوقت نفسه مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار الخليج. لكن اللافت أن تعاملها مع أزمة هرمز أظهر قدرة على التكيف مع اضطراب الإمدادات عبر خفض الواردات واستخدام الاحتياطيات، بحسب القراءة التي يقدمها الباحثان. وبذلك يمكن أن يتحول اعتماد الصين الكبير على الطاقة إلى أداة نفوذ بدلاً من أن يكون نقطة ضعف فقط: فبكين تستطيع الضغط دبلوماسياً من أجل الاستقرار، بينما تتحمل واشنطن جزءاً كبيراً من الكلفة العسكرية لحماية هذا الاستقرار.

كيف ستتوزع الموارد الأميركية إذا اندلع نزاع طويل في المحيط الهادئ بينما تبقى واشنطن ملتزمة بحماية مصالحها في الشرق الأوسط ؟

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الحرب. الولايات المتحدة هي الطرف القادر على حشد حاملات الطائرات والدفاعات الصاروخية والضربات بعيدة المدى على نطاق لا تضاهيه قوة أخرى، لكن هذا التفوق يصبح أكثر تعقيداً عندما تتعدد المسارح وتطول الحرب. أما الصين، فلا تحتاج إلى منافسة الولايات المتحدة في كل هذه القدرات؛ يكفيها أن تراقب كيف تؤثر الحرب في مخزونات واشنطن وتحالفاتها وقدرتها على الحفاظ على التزاماتها السياسية.

ومن هذه الزاوية، فإن ردع الصين لا يتوقف على إظهار أن القوة الأميركية أكبر من القوة الصينية، بل على إظهار أن هذه القوة قابلة للاستدامة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه. فإذا تمكنت واشنطن من تعويض مخزونات الأسلحة سريعاً، وإعادة توزيع قواتها من دون إضعاف تحالفاتها الآسيوية، وتحويل التفوق العسكري في الشرق الأوسط إلى تسوية مستقرة، فقد تخرج من الحرب بصورة مختلفة عما تخشاه بكين.

أما إذا انتهت الحرب من دون تسوية مستقرة، وبقي هرمز وباب المندب مصدرين للتوتر، وتأخرت إعادة بناء المخزونات، واستمرت الأسئلة حول تايوان، فقد تجد الصين في التجربة مادة إضافية لإعادة حساباتها بشأن حدود الردع الأميركي.

وهذا لا يعني أن حرب إيران جعلت الولايات المتحدة «ضعيفة»، بل إنها اختبرت قدرة القوة الأميركية على الاستمرار عندما تتنافس الأولويات. ولذلك قد يكون أهم ما تراقبه بكين بعد نهاية الحرب ليس عدد الضربات التي نفذتها واشنطن، وإنما سرعة عودة قواتها وذخائرها إلى آسيا، ومدى ثبات التزاماتها تجاه الحلفاء، وما إذا كانت تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى أمن طويل الأمد.

في نهاية المطاف، قد تكون النتيجة الأهم للحرب في آسيا غير موجودة في ساحات القتال الإيرانية أصلاً. إنها موجودة في السؤال الذي ستطرحه بكين على نفسها: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تدير حرباً في الشرق الأوسط وتردع الصين في الوقت نفسه، أم أن تعدد الأزمات سيجعل القوة الأميركية أكثر انتقائية وأقل قابلية للتنبؤ؟

آخر الأخبار

المغرب.. من بوابة عبور إلى منصة للإنتاج والتصدير
العراق وسوريا: هل ينجحان في تجاوز إرث البعث؟
إقبال الصحراويين في الانتخابات المغربية
الماضي يلاحقنا من بن غوريون حتى بن غفير
ميسي يسجل هدفه المئة مع إنتر ميامي ويقوده للتتويج بكأس الأبطال
العراق: "ذئاب منفردة" بعد 30 سبتمبر؟