ارتفاع أسعار مكونات رقائق الذاكرة وتحول الإمدادات نحو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يضغطان على الإنتاج ويرفعان أسعار الأجهزة، بينما تنجح أبل وسامسونغ في تعزيز حضورهما رغم تباطؤ السوق.
لندن– تمر تجارة الهواتف الذكية العالمي بواحدة من أصعب مراحله منذ أكثر من عقد، بعدما هبطت الشحنات خلال الربع الثاني من 2026 إلى أدنى مستوياتها لهذه الفترة منذ 13 عاما.
وهذا التراجع لم يعد يعكس ضعف الطلب الاستهلاكي فقط، بل يكشف عن تحول أعمق في صناعة أشباه الموصلات، حيث باتت رقائق الذاكرة تتجه بصورة متزايدة إلى تلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي على حساب قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية.
ووفقاً لتقديرات أولية صادرة عن شركة كاونتربوينت للأبحاث، انخفضت شحنات الهواتف الذكية العالمية بنسبة 11 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من هذا العام.
11 في المئة نسبة انخفاض شحنات الهواتف الذكية العالمية على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026
ولكن خبراء شركة الأبحاث أبقوا على توقعاتهم بانكماش السوق بنحو 14 في المئة خلال عام 2026، مع استمرار نقص رقائق الذاكرة حتى عام 2027.
ويعكس هذا التراجع تحولاً في أولويات شركات تصنيع الرقائق، التي باتت تمنح الأفضلية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ومزودي خدمات الحوسبة السحابية، في ظل الطلب المتسارع على وحدات التخزين عالية الأداء اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأدى هذا التحول إلى تقليص الإمدادات المتاحة لصناعة الهواتف الذكية، ما تسبب في ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة بصورة متواصلة.
كما دفع ذلك الوضع الشركات المصنعة إلى تمرير جزء كبير من هذه الزيادة إلى المستهلكين، خاصة في الهواتف الاقتصادية ومتوسطة الفئة التي تعتمد هوامش ربح أقل من الأجهزة الرائدة.
ويرى محللون أن أزمة الذاكرة تمثل تحدياً مختلفاً عن الأزمات السابقة التي واجهت القطاع، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بضعف الطلب أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، وإنما بالمنافسة على مكونات أساسية أصبحت صناعة الذكاء الاصطناعي تستهلك الحصة الأكبر منها.
ورغم التباطؤ المهيمن على السوق، تمكنت أبل من تحقيق أداء مغاير، إذ ارتفعت شحناتها بنحو 3 في المئة، لترفع حصتها إلى مستوى قياسي بلغ 20 في المئة مستفيدة من استمرار الطلب على هواتف آيفون الأعلى سعراً، مع المحافظة على أسعار منتجاتها دون تغيير.
لكن محللين يتوقعون أن تلجأ الشركة الأميركية إلى رفع الأسعار خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت تكلفة المكونات في الارتفاع، خاصة مع استمرار الضغوط على سلسلة الإمداد.

التوقعات تصب في انكماش السوق بنحو 14 في المئة خلال كامل العام الحالي، مع استمرار نقص رقائق الذاكرة حتى عام 2027
في المقابل، استعادت سامسونغ صدارة سوق الهواتف الذكية العالمية بحصة بلغت 24 في المئة، مدعومة بالإقبال على سلسلة غلاكسي أس 26 وتحسن توافر الأجهزة في الأسواق، إلى جانب محدودية الزيادات السعرية في أسواق رئيسية مثل الهند والشرق الأوسط، ما عزز قدرتها التنافسية.
أما الشركات الصينية، فقد واجهت ضغوطاً أكبر، إذ سجلت شاومي وأوبو وفيفو أكبر التراجعات في الشحنات بين أكبر خمس شركات مصنعة للهواتف الذكية، نتيجة اعتمادها بصورة أكبر على مبيعات الأجهزة منخفضة ومتوسطة التكلفة، وهي الفئة الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار مكونات الذاكرة.
ويشير خبراء الصناعة إلى أن الطفرة الحالية في استثمارات الذكاء الاصطناعي غيرت خارطة الطلب على أشباه الموصلات، بعدما أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى ومشغلو مراكز البيانات يتنافسون على تأمين كميات ضخمة من رقائق الذاكرة المتطورة، وهو ما منحهم أولوية لدى الموردين على حساب قطاعات مثل الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية.
وتُعد رقائق الذاكرة، ولاسيما من نوعي درام وناند من المكونات الأساسية في الهواتف الحديثة، حيث تؤثر بشكل مباشر في أداء التطبيقات، وسرعة معالجة البيانات، وتشغيل مزايا الذكاء الاصطناعي المدمجة داخل الأجهزة.
ويحذر محللون من أن استمرار نقص الإمدادات حتى عام 2027 قد يدفع الشركات إلى إعادة تصميم استراتيجياتها الإنتاجية، والتركيز بصورة أكبر على الهواتف مرتفعة السعر لتعويض ارتفاع تكلفة المكونات،
وقد يؤدي ذلك الخمول في هذه التجارة إلى إطالة دورة استبدال الأجهزة لدى المستهلكين، ويؤخر تعافي سوق الهواتف الذكية، رغم استمرار الابتكار التقني وإطلاق أجهزة جديدة مزودة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
