Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

أهلاً لبنان إلى زمن الإمارات في القرن الثاني والعشرين

مشروع يعيد لبنان إلى ما كان عليه قبل الحرب، ومشروع يسأل ماذا يمكن أن يكون عليه لبنان بعد عشرين أو خمسين عاماً.

ثمة حكمة صينية شهيرة تقول: “أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام”. يبدو تماماً أن هذا ما ذهبت إليه الإمارات وهي تعيد فتح أبواب المستقبل أمام لبنان، بعد أن بدأ اللبنانيون إزاحة ما تراكم عليهم من عقود الحروب والنزاعات. لبنان وجد في الإمارات فرصة للذهاب إلى القرن الثاني والعشرين، لا بسياسات الإعمار الكلاسيكية التي اعتادت عليها شعوب المنطقة وأدمنت عليها حكومات الفساد العربية. فالحروب تنتج تجاراً يستثمرون فيها، كما يستثمرون لاحقاً في أموال الإعمار، ولبنان أحد أكثر البلدان التي اختبرت هذه الدائرة منذ اتفاق القاهرة عام 1969، ثم اتفاق الطائف عام 1989، الذي أسقط النظام السياسي وأقام دولة المحاصصة الطائفية مكانه، وهو النظام الذي أغرق لبنان في الفساد والفشل الإداري والسياسي.

اللبنانيون وضعوا قدماً في طريق السلام بتوقيع الاتفاق الإطاري مع إسرائيل برعاية أميركية في يونيو 2026، وهي خطوة أعلنت نية الطرفين إنهاء النزاع والوصول إلى علاقات جوار سلمية. في جوهر الأمر، كانت تلك محاولة للخروج من الاعتقاد بأن الحروب قدر لبناني أبدي. السلام يعني أن تمتلك قرارك في الحياة، وأن تنقل أبناءك من انتظار الحرب المقبلة إلى انتظار الفرصة المقبلة، وهذا ما يحتاج لبنان إلى مواصلة العمل من أجله.

الفرصة متاحة، لكن بالطريقة الإماراتية هذه المرة، وهي مختلفة عن الطريقة التي عرفها الشرق الأوسط طويلاً. تاجر الحرب يستثمر في الخراب، وفي الإمارات هناك من يتاجر في المستقبل.

المبادرة الإماراتية لتدريب مليون لبناني على الذكاء الاصطناعي ليست مجرد دورة، بل مشروع استراتيجي لاستثمار العقول وتحويلها إلى نفط القرن الجديد.

لهذا لا ينبغي قراءة المبادرة الإماراتية لتدريب مليون لبناني على الذكاء الاصطناعي باعتبارها دورة تدريبية عملاقة، فالمعنى أعمق بكثير. المبادرة التي أُعلنت خلال لقاء الشيخ عبد الله بن زايد ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تستهدف تمكين مليون لبناني من المهارات الأساسية والعملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي و”هندسة الأوامر”، وتوظيف تلك الأدوات في العمل والحياة ورفع الإنتاجية وصناعة الحلول.

هذه هي الفكرة الإماراتية التي تستحق التأمل: نفط القرن الثاني والعشرين لن يكون تحت الأرض، سيكون داخل رأس الإنسان.

يمكنك أن تعيد بناء الجسر الذي دمرته الحرب، وأن تصلح محطة الكهرباء، وأن ترمم المطار، لكن ماذا صنعت للإنسان الذي سيعيش فوق الجسر ويعمل في المطار ويدير محطة الكهرباء؟ وماذا تفعل بدولة أُعيد بناء حجرها وبقي عقلها يعمل بأدوات القرن الماضي؟ الإمارات تجيب بطريقتها: استثمر في الإنسان أولاً.

ولبنان تحديداً يملك المادة الخام لهذه الفكرة، فهذا البلد لم يكن فقيراً بالعقول يوماً، مشكلته أن دولته كانت تطرد عقولها إلى الخارج. الطبيب اللبناني نجح في أميركا، والمهندس نجح في الخليج العربي، والمصرفي والإعلامي والأكاديمي ورائد الأعمال انتشروا في العالم، بينما بقي وطنهم يخسرهم جيلاً بعد جيل. لهذا فإن تدريب مليون لبناني على أدوات الاقتصاد الجديد يعني محاولة قلب المعادلة: ماذا لو أصبح لبنان مصدراً للخدمات الرقمية والمعرفة والبرمجيات بدلاً من أن يكون مصدراً دائماً للمهاجرين؟

الإمارات تعرف هذه المعادلة لأنها بنت تجربتها عليها. الصحراء لم تمنعها من بناء مدينة الأحلام دبي، وقلة السكان لم تمنعها من صناعة اقتصاد عالمي، وندرة الموارد البشرية المحلية لم تجعلها تنغلق على نفسها. فهمت مبكراً أن الجغرافيا ليست حكماً مؤبداً، وأن الدولة تستطيع أن تهزم قيود المكان إذا امتلكت فكرة عن الزمن.

الإعمار الحقيقي لا يعني إعادة بيروت كما كانت، بل جعلها قادرة على منافسة مدن المستقبل، عبر الاستثمار في الإنسان وتحرير العقل من قيود الماضي.

وهنا الفرق بين مشروعين: مشروع يعيد لبنان إلى ما كان عليه قبل الحرب، ومشروع يسأل ماذا يمكن أن يكون عليه لبنان بعد عشرين أو خمسين عاماً.

الإعمار الحقيقي ليس أن نعيد بناء بيروت كما كانت، الإعمار الحقيقي أن نجعلها قادرة على منافسة مدن لم تكن موجودة عندما كانت بيروت عاصمة الثقافة والمال والصحافة العربية.

لبنان لا يحتاج إلى الحنين بقدر حاجته إلى المستقبل. لقد استهلك ما يكفي من التاريخ، ومن المتاريس، ومن الأيديولوجيات، ومن السياسيين الذين أقنعوه بأن الخراب بطولة، وأن العزلة مقاومة، وأن الفقر ثمن طبيعي للشعارات.

اليوم هناك باب آخر يُفتح. من أبوظبي تأتي رسالة مختلفة: لا نريد أن نعطيكم سمكة، ولا حتى أن نعلمكم الصيد بالطريقة القديمة، نريد أن نضع بين أيديكم أدوات البحر القادم. مليون لبناني يعرفون كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليسوا مجرد مليون متدرب، إنما احتمال لمليون فرصة، ومليون نافذة، ومليون عقل يستطيع أن يعمل من بيروت للعالم.

أهلاً لبنان إلى زمن الإمارات، فالقرن الثاني والعشرون لا ينتظر الدول المتعبة حتى تنتهي من خصوماتها، ومن يريد الوصول إليه عليه أن يبدأ الرحلة الآن.

مقالات سابقة

السردية الجامعة للإخوان وولاية الفقيه… مشروع واحد بوجهين