Skip to main content

صحيفة العرب

📍 جاري التحميل...

موسم التين يتحول إلى حداد في قرية تل الفلسطينية

حلاوة التين التلاوي تحولت إلى مرارة، بعدما أصبحت البساتين المحاصرة شاهدة على خسارة الأرض والموسم معا.

الضفة الغربية (فلسطين) – كان سكان قرية تل، الواقعة غرب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، يستعدون لاستقبال موسم التين الذي يشكل أحد أبرز مواسمهم الزراعية والاقتصادية، فيما كانت التحضيرات جارية لتنظيم أكبر مهرجان للتين في تاريخ البلدة، احتفاءً بمحصول ارتبط بهوية القرية لعقود. لكن الهجوم الذي شنه مستوطنون إسرائيليون الجمعة الماضية، وما أعقبه من مواجهات أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين ومستوطنين اثنين، بدد تلك الاستعدادات وحول أجواء الاحتفال إلى حالة من الحداد، بينما باتت البساتين التي كانت تستعد لاستقبال المزارعين مناطق مغلقة يصعب الوصول إليها.

فبدلا من تعليق لافتات المهرجان واستقبال الزوار، ارتفعت رايات العزاء في القرية التي يقطنها نحو سبعة آلاف نسمة، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي فرض إجراءات مشددة في محيطها، بالتزامن مع انتشار المستوطنين وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، الأمر الذي يهدد بضياع موسم التين بالكامل.

ويقول رئيس المجلس القروي في تل وليد زيدان إن القرية تعيش اليوم “تحت غيمة من السواد”، بعدما فقدت أربعة من أبنائها في يوم واحد، مضيفا أن المشهد الذي اعتاد الأهالي رؤيته مع اقتراب موسم القطاف تبدل تماما.

oo

وتابع قائلا “تل كانت دائما قرية للحياة، واليوم لا ترى الابتسامة على وجوه الناس. الجرح ليس في الشوارع فقط، بل في قلوب الأهالي، لأنه ليس من السهل أن تفقد أربعة من شباب القرية في يوم واحد”.

وأكد زيدان أن أهالي البلدة لم يخرجوا سعيا إلى المواجهة، وإنما للدفاع عن منازلهم بعد تعرضها لهجوم من مستوطنين، مشيرا إلى أن القرية شهدت قبل أيام محاولة لإحراق منزل المواطن صهيب رمضان، إلا أن أفراد العائلة نجوا بعدما غادروه قبل دقائق من اشتعال النيران فيه.

وقال “عندما بدأ الهجوم الأخير خرج الناس للدفاع عن البيوت حتى لا تتكرر المأساة. هم من يأتون إلينا، ولسنا نحن من نذهب إليهم”.

ولم تتوقف تداعيات الهجوم، بحسب زيدان، عند سقوط الضحايا، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية التي تشكل المصدر الرئيسي لدخل مئات العائلات. ويوضح أن الجرافات الإسرائيلية دخلت المنطقة وشرعت في تجريف مساحات واسعة من الأراضي، بينما تشير التقديرات الأولية إلى تضرر نحو ألفي دونم.

وأضاف “لا نستطيع حتى الآن الوصول إلى المنطقة لحصر الخسائر، لأن الجيش والمستوطنين يمنعوننا من ذلك”.

وأشار إلى أن المنطقة تحولت إلى نقطة انتشار عسكري، بالتزامن مع شروع مستوطنين في إقامة بؤرة استيطانية جديدة، إضافة إلى تنفيذ حملات اعتقال وتحقيق ميداني طالت عشرات الفلسطينيين.

ويصف رئيس المجلس القروي خسارة موسم التين بأنها الأكثر إيلاما بالنسبة إلى سكان البلدة، موضحا أن التين والزيتون والصبر (التين الشوكي) ليست مجرد محاصيل زراعية، بل تمثل جزءا من ذاكرة القرية وهويتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويشتهر “التين التلاوي” في الأسواق الفلسطينية بجودته وتنوع أصنافه، إذ تضم البلدة عشرات الآلاف من أشجار التين وأكثر من أحد عشر صنفا محليا، فيما يقصدها الزوار سنويا خلال موسم القطاف لشراء الثمار ومنتجاتها.

وكان المجلس القروي يخطط هذا العام لتنظيم أكبر مهرجان للتين في تاريخ القرية، يمتد ثلاثة أيام، ويتضمن معرضا للتين ومنتجاته، إلى جانب الأجبان والألبان والمنتجات الريفية، بهدف تنشيط الحركة الاقتصادية ودعم المزارعين، إلا أن جميع الفعاليات ألغيت بعد الأحداث الأخيرة.

ولا تقتصر معاناة المزارعين على مزارع التين، إذ يؤكد زيدان أن أصحاب مزارع الأبقار والدواجن الواقعة قرب موقع الأحداث مُنعوا منذ أيام من الوصول إليها، ما أدى إلى ترك الحيوانات من دون ماء أو غذاء.

وقال “نحن لا نحب الموت كما يصوروننا، بل نحب الحياة. كل ما نريده أن نعيش في بيوتنا وعلى أرضنا، وأن نزرعها ونقطف ثمارها بسلام”.

وأضاف أن الدفاع عن الأرض والمنازل حق طبيعي لكل إنسان، مؤكدا أن سكان القرية وجدوا أنفسهم مضطرين إلى حماية ممتلكاتهم بعد تكرار الاعتداءات.

من جانبه يقول المواطن عمر اشتية إن قرية تل عرفت منذ عقود بأنها قرية زراعية تستقبل الزوار من مختلف أنحاء الضفة الغربية لتذوق التين والزيتون ومنتجات الألبان التي تشتهر بها، لكن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدا في اعتداءات المستوطنين وتوسعا للبؤر الاستيطانية، الأمر الذي حد من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، خصوصاً في الجهة الغربية من البلدة.

وأضاف أن هذه القيود جاءت في أكثر الفترات حساسية بالنسبة إلى المزارعين، إذ يتزامن ذلك مع نضوج ثمار التين واستعدادهم لبدء موسم القطاف.

ووصف اشتية المشهد بقوله “حلاوة التين التلاوي تحولت إلى مرارة”، بعدما أصبح الوصول إلى البساتين محفوفا بالمخاطر، مشيرا إلى أن الثمرة التي كانت ترمز إلى الخير والرزق في القرية أصبحت شاهدة على واقع جديد يهدد الأرض ومن يعيش عليها.

حلاوة التين التلاوي تحولت إلى مرارة
حلاوة التين التلاوي تحولت إلى مرارة

ويخشى مزارعو تل أن ينتهي الموسم قبل أن يتمكنوا من دخول بساتينهم وجني ثمارها، وهو ما يعني خسائر اقتصادية كبيرة، فضلا عن الأضرار التي قد تلحق بالأشجار والمحاصيل نتيجة الإهمال أو الاعتداءات.

ولا ينظر الفلسطينيون إلى ما جرى في تل باعتباره حادثا منفصلا، بل يرونه امتدادا لتصاعد اعتداءات المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية، والتي تستهدف السكان وممتلكاتهم والأراضي الزراعية بصورة متكررة.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذ المستوطنون خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3488 اعتداءً بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، شملت الاعتداء على المدنيين، وإحراق المنازل والمركبات، وتجريف الأراضي الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، إضافة إلى إقامة بؤر استيطانية جديدة.

وفي المقابل تؤكد الأمم المتحدة أن المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، فيما يحذر الفلسطينيون من أن تسارع التوسع الاستيطاني يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وبينما تتدلى ثمار التين على أغصان الأشجار في بساتين تل، ينتظر أصحابها فرصة للعودة إلى حقولهم قبل انتهاء الموسم. لكن مع استمرار القيود الأمنية وتصاعد الاعتداءات، تبدو تلك الثمار مهددة بأن تبقى معلقة على الأشجار، فيما يتحول موسم كان يمثل مناسبة للاحتفال بالحياة والعمل إلى موسم يختلط فيه الحداد بالخسارة، وتغدو الأرض التي كانت مصدر رزق الأهالي عنوانا لصراع يومي على البقاء.

آخر الأخبار

عُمان تستعيد كنوز البحر عبر استزراع المرجان
الفنانون التشكيليون في اليمن يكافحون للبقاء وسط الحرب
النمر العربي لاعب مؤثر جديد في عالم "دبلوماسية الحيوانات"
جنون الصقور يغزو الرياض: مزاد دولي يحول التراث إلى استثمار بملايين الريالات