تراجع الثقة بالعلم والمؤسسات الطبية يضع الفئات الأكثر ضعفًا أمام الخطر الأكبر.
نيوزيلندا- كشفت حالة طبية في نيوزيلندا عن الوجه الأكثر خطورة للمعلومات الطبية المضللة، بعدما تحولت إصابة بسيطة ناتجة عن خدش قطة لدى طفلة تبلغ 9 سنوات إلى مضاعفات تهدد حياتها، إثر عدم التزام والديها بالمضاد الحيوي الذي وصفه الأطباء، واختيارهما علاج الإصابة في المنزل باستخدام نترات الفضة.
وأثارت الحالة اهتمام عدد من الخبراء في القطاع الصحي، الذين حذروا من أن التردد في قبول العلاج الطبي المبني على الأدلة لا يرتبط دائمًا بمعلومة خاطئة واحدة، وإنما يمكن أن يكون نتيجة تراكم الشكوك تجاه الطب الحديث والمؤسسات الصحية، إضافة إلى التأثير المتزايد للمحتوى المنتشر عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وكانت الطفلة قد أصيبت بعدوى عقب خدش قطة، لكن عدم استخدام المضادات الحيوية الموصوفة سمح للحالة بالتفاقم، لتتطور لاحقًا إلى التهاب جيوب أنفية خطير أدى إلى ظهور ما يعرف باسم “ورم بوت المنتفخ”، وهي مضاعفة نادرة في العصر الحديث منذ انتشار المضادات الحيوية.
وأكدت الحالة أهمية التدخل الطبي في الوقت المناسب، إذ احتاجت الطفلة في النهاية إلى عملية جراحية، إلى جانب علاج بالمضادات الحيوية عن طريق الوريد لمدة ستة أسابيع، قبل أن تتمكن من التعافي بصورة كاملة.
ستيفن هيل:
التأثير الأخطر للمعلومات المضللة يمكن أن يبدأ بدرجة محدودة من التردد الطبي، ثم يتطور إلى مخاطر صحية أكبر واستنزاف إضافي لخدمات الرعاية الصحية
وقال الدكتور مورغان أرنولد، اختصاصي طب العيون في هيئة الصحة النيوزيلندية وأحد مؤلفي التقرير، إن القضية تكشف خطورة توسع انتشار المعلومات الطبية المضللة، معتبرًا أن تراجع الثقة بالعلم والمؤسسات الطبية يضع الفئات الأكثر ضعفًا أمام الخطر الأكبر.
وأشار إلى أن الأطفال يتحملون تبعات قرارات لا يملكون القدرة على اتخاذها بأنفسهم، سواء تعلق الأمر بالمضادات الحيوية أو اللقاحات أو غيرها من الخيارات الطبية، داعيًا العاملين في القطاع الصحي إلى فتح حوارات أكثر تفهمًا وهدوءًا مع الأهالي بدل الاكتفاء بتقديم التوجيهات الطبية بصورة مباشرة.
لكن الدكتور جون كير، الباحث الرئيسي في الصحة العامة بجامعة أوتاغو، رأى أن وصف الحالة بأنها نتيجة مباشرة للمعلومات المضللة ربما لا يفسر الصورة كاملة. فالقرار، بحسب قراءته، يبدو مرتبطًا أيضًا بدرجة من عدم الثقة بالنظام الصحي والمؤسسات الرسمية، وهي مشكلة يمكن أن تتداخل فيها تجارب سابقة سلبية مع التأثير الذي تمارسه المعلومات المنتشرة على الإنترنت.
وأوضح أن مواجهة المعلومات الخاطئة تبدأ داخل العيادات نفسها، من خلال معرفة الأطباء بالمعتقدات الشائعة غير الدقيقة في تخصصاتهم والاستعداد لمناقشتها مع المرضى وأسرهم بطريقة منفتحة ومتفهّمة. ويؤكد أن تصحيح المعلومة يصبح أكثر فاعلية عندما يتم احترام مخاوف الشخص بدل التعامل معها باستخفاف.
في المقابل، شددت الأستاذة المشاركة سيوكسي وايلز، المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة بجامعة أوكلاند، على أن الحالة تقدم مثالًا واضحًا على السرعة التي يمكن أن تنتقل بها عدوى قابلة للعلاج إلى مرحلة تهدد الحياة عندما تحل المعلومات غير الموثوقة محل العلاج المثبت علميًا.
وأوضحت أن اختيار نترات الفضة لم يكن بلا أساس تاريخي، فمركبات الفضة تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا، كما استُخدمت نترات الفضة في الماضي لعلاج الحروق والقرح والجروح المصابة. إلا أنها مادة شديدة التآكل ويمكن أن تلحق الضرر بالأنسجة والجلد السليم، وهو أحد الأسباب التي جعلت استخدامها يتراجع بعد ظهور المضادات الحيوية.
وترى وايلز أن المشكلة الحالية تكمن في إعادة تقديم بعض العلاجات القديمة عبر الإنترنت بصورة مبالغ فيها، مع تجاهل المخاطر والقيود الطبية المرتبطة بها. وتقول إن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي ساهما في تسريع انتشار هذا النوع من المحتوى، خصوصًا عندما يكون وراءه أشخاص أو جهات تحقق أرباحًا من بيع علاجات أو مكملات لم تثبت فعاليتها.
مورغان أرنولد:
القضية تكشف خطورة توسع انتشار المعلومات الطبية المضللة
ولفتت الباحثة كذلك إلى أن الطفلة لم تكن قد حصلت على جميع التطعيمات الروتينية، مشيرة إلى أن أسباب عدم استكمال الأطفال للقاحات تختلف من حالة إلى أخرى، وقد ترتبط أحيانًا بصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية أو بتراجع ثقة الأهالي بالمؤسسات الرسمية نتيجة تجارب سابقة.
أما الأستاذ المشارك ستيفن هيل من كلية علم النفس في جامعة ماسي، فركز على جانب آخر من المشكلة، معتبرًا أن التأثير الأخطر للمعلومات المضللة لا يظهر دائمًا في القرارات الصادمة أو الحالات الاستثنائية، وإنما يمكن أن يبدأ بدرجة محدودة من التردد الطبي، ثم يتطور إلى مخاطر صحية أكبر واستنزاف إضافي لخدمات الرعاية الصحية.
ويرى هيل أن المشكلة لا تكمن فقط في تصديق ادعاء طبي خاطئ، بل في تحول البيئة المعلوماتية نفسها إلى مساحة يصعب فيها التمييز بين المعلومة العلمية والمحتوى غير الموثوق. ومع كثرة الرسائل المتناقضة، يصبح تحديد الجهة التي تستحق الثقة أكثر صعوبة، وهو ما يمكن أن يدفع الأشخاص تدريجيًا إلى اتخاذ قرارات صحية محفوفة بالمخاطر.
ويشير الباحث إلى أن التركيز الإعلامي غالبًا ما ينصب على حملات التضليل المتعمدة والواضحة، بينما يمكن للمعلومات الخاطئة الأقل وضوحًا أن تحدث ضررًا تراكميًا أكبر. فانتشار الادعاءات غير الدقيقة بصورة متكررة، حتى من دون وجود نية مباشرة للتضليل، يمكن أن يزرع الشك في أذهان الجمهور ويضعف الثقة بالنصائح الطبية المتخصصة.
وتحتاج مواجهة هذه الظاهرة، وفق الخبراء، إلى أكثر من مجرد حذف منشور خاطئ أو نشر تصحيح له. فالمطلوب دعم العاملين في القطاع الصحي بأدوات تساعدهم على التعامل مع المرضى المترددين بطريقة تحترم مخاوفهم، بالتوازي مع بناء بيئة معلوماتية أكثر وضوحًا تتيح للجمهور الوصول بسهولة إلى المصادر الطبية الموثوقة.
كما يشمل الحل تعزيز الثقافة الصحية، وتشديد الرقابة على المنتجات التي تقدم نفسها في صورة أدوية أو علاجات رغم غياب الأدلة الكافية على فعاليتها، إلى جانب التصدي المستمر للمعلومات الطبية غير الصحيحة قبل أن تتحول إلى قناعات تؤثر في القرارات العلاجية.
