نجمة مغربية متعددة الأوجه قادرة على إثراء الكوميديا المغربية بأداء مرن وجذاب، يجمع بين الطرافة اليومية والرسالة الإنسانية.
تُعد حسناء مومني واحدة من أبرز الممثلات المغربيات اللواتي يجمعن بين التكوين الأكاديمي والموهبة الفطرية، الأمر الذي جعلها رمزاً للإبداع في الدراما والكوميديا المغربية المعاصرة. وُلدت في المغرب وتخرجت من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في الرباط، إذ صقلت مهاراتها التمثيلية وحققت حضوراً لافتاً في الساحة الفنية.
بدأت الفنانة مسيرتها في العقد الأول من الألفية الجديدة، بيد أن الشهرة الواسعة جاءت مع دورها المميز في مسلسل “الدنيا دوارة” للمخرج محمد نصرات، إذ جسدت شخصية بدرية ابنة الحاج فرج، التي أثرت في الجمهور بجوهرها العاطفي، لتثبت تميزها بتنوع أدوارها، من الدراما النفسية السابرة للأغوار إلى الكوميديا الاجتماعية الخفيفة.
ممثلة تقدم كوميديا قريبة من قلب الجمهور المغربي، مع الحفاظ على أسلوبها الاحترافي المبني على تكوينها الأكاديمي
الكوميديا والدراما
تُبرز مشاركة حسناء مومني في السلسلة الكوميدية الاجتماعية “با الحبيب” الذي يعرض حاليا في درما رمضان (2026) قدرتها على الجمع بين الخفة الفكاهية والعمق الإنساني، إذ تؤدي دورا مميزا يعزز الطابع الكوميدي للعمل دون أن يفقد التوازن مع الرسالة الاجتماعية المركزية.
في هذا العمل الرمضاني للمخرج يونس الركاب، تتجلى شخصيتها كعنصر حيوي يخلق مواقف طريفة مستمدة من الحياة اليومية، مستفيدة من مهاراتها في الارتجال والتفاعل الطبيعي مع باقي الممثلين مثل حمزة الفيلالي، عبدالله فركوس، حسن فولان، زهير زائر وصويلح دروه، وهذا يولد دينامية جماعية متكاملة تجعل كل حلقة مليئة بالمفاجآت المضحكة واللمسات العاطفية، كما يبين أداؤها تنوع الشخصيات النسائية في الدراما المغربية، حينما تمزج بين السخرية الخفيفة والحساسية تجاه قضايا الأسرة، خاصة دور الأب بعد وفاة الزوجة.
وتُشكل هذه المشاركة فرصة مثالية لمومني لإظهار جانبها الكوميدي الخفيف، الذي يعتمد على روح الدعابة الطبيعية والقدرة على تحويل المواقف العادية إلى لحظات ضحك عفوية، مع الحفاظ على صدق الشخصية وسط سياق يناقش بر الوالدين والعلاقات الأسرية.
رغم الطابع الكوميدي الرئيسي يتضمن العمل لحظات درامية مؤثرة كمشهد الوفاة في الحلقة الأولى الذي تقدم من خلاله رسالة عن بر الوالدين، ليبرز قدرتها على التنقل بسلاسة بين الفكاهة والعمق العاطفي، ويجعلها عنصرا أساسيا في نجاح السلسلة جماهيريا. وبهذا الدور تؤكد مكانتها كممثلة متعددة الأبعاد قادرة على إثراء الكوميديا المغربية بأداء مرن وجذاب، يجمع بين الطرافة اليومية والرسالة الإنسانية.

وتلعب مومني في مسلسل “البراني” للمخرج إدريس الروخ شخصية ليلى، امرأة تحمل آثار صدمات قديمة من الطفولة تظهر في سلوكها وردود أفعالها، كشخصية محورية تساهم في دفع الأحداث نحو تطورات غير متوقعة مع وصول الشخصية الغريبة “البراني” التي تعيد فتح جروح الماضي في القرية.
ويعتمد أداؤها على تعبيرات دقيقة وهادئة لنقل الاضطراب الداخلي دون مبالغة، مستفيدة من التوجيه الذي ركز على بناء الشخصية من الداخل، إذ يمثل هذا الدور تجربة مختلفة بالنسبة إليها مقارنة بأعمالها الكوميدية السابقة، لأنه يتطلب تركيزاً أكبر على الجانب النفسي والعاطفي، وتساهم في تقديم دراما مغربية أكثر عمقاً تتجاوب مع تطور ذوق الجمهور، دون أن تكون ثورية أو خارجة عن المألوف تماماً.
الرسالة العاطفية
يُعتبر دور بدرية في مسلسل “الدنيا دوارة” نقطة انطلاق حسناء مومني نحو الشهرة الواسعة، حيث تُجسد شخصية امرأة شابة عالقة بين طموحاتها الشخصية وقيود الأسرة والمجتمع، وتعاني من الضغوط الناتجة عن التنافس التجاري بين عائلتين في سوق التوابل، الأمر الذي يضعها في قلب صراعات عاطفية واجتماعية.
فنانة متعددة الأبعاد قادرة على إثراء الكوميديا المغربية بأداء مرن وجذاب، يجمع بين الطرافة اليومية والرسالة الإنسانية
ويبرز أداء حسناء مومني في مشاهد المواجهة مع والدها، إذ تنقل بمهارة مشاعر التمرّد، معتمدة على تعابير وجه دقيقة وحركات جسدية مقبولة، وقدرتها على تحويل بدرية من شخصية ثانوية إلى رمز للمرأة المغربية التي تسعى لتحقيق ذاتها وسط التحديات، عوضاً عن الرضوخ للواقع.
ويبين دور فرح في سيتكوم “زنقة السعادة” الجانب الكوميدي المرح لحسناء مومني، إذ تلعب دور بائعة خضر في حي شعبي يعج بالمواقف اليومية الطريفة، وتضيف الممثلة طاقة إيجابية وحيوية على العمل، مستفيدة من خفة ظلها وقدرتها على التفاعل العفوي مع الشخصيات الأخرى. ويبرز هذا الدور تنوعها الفني، إذ تنتقل بسلاسة من الأدوار الدرامية الثقيلة إلى الكوميديا الاجتماعية، معتمدة على توقيت كوميدي دقيق ونبرة صوت تجمع بين الفكاهة والقرب من الواقع المغربي.
ويعطي دور هنية في سيتكوم “ديرو النية” تجسيدا عفويا وممتعا لشخصية كوميدية تعتمد على الفكاهة المغربية الأصيلة. إذ تظهر حسناء مومني في هذا الدور كامرأة ذكية وسريعة البديهة، تتورط في مواقف مضحكة، وتساهم في دفع الأحداث الكوميدية بتعليقاتها الحادة ومهارة في الارتجال، باعتبارها ممثلة قادرة على تقديم كوميديا قريبة من قلب الجمهور المغربي، مع الحفاظ على أسلوبها الاحترافي المبني على تكوينها الأكاديمي.
ويشير دور نادية في مسلسل “الكوبيراتيف” إلى شخصية نشيطة وذكية في سياق كوميدي يركز على تعاونيات العمل والعلاقات الاجتماعية المعقدة، إذ تُساهم نادية في خلق مواقف طريفة من خلال تدخلاتها الحكيمة، وتُثبت مومني قدرة على التفاعل المتناغم مع فريق التمثيل، كما يُبرز هذا العمل مهارتها في الكوميديا الاجتماعية، إذ تستغل تعابيرها الطبيعية لخلق شخصية قريبة من الواقع اليومي.
ونشاهد دور حورية في الشريط التلفزيوني “لا وردة لحنان” جانبا دراميا آخر، إذ تقدم شخصية تحمل أبعادا إنسانية وعاطفية في قصة تتناول قضايا شخصية حساسة، إذ تبرز حورية امرأة تواجه صراعات داخلية وخارجية، وتنجح مومني في نقل الألم والأمل بأداء هادئ بيد أنه حازم، معتمدة على تعابير وجه دقيقة تنقل جوهر الشخصية دون الحاجة إلى مبالغة.

ويُبرز دور سناء في مسلسل “قبر الحياة” تعدد موهبة حسناء مومني في إضفاء ثقل على أدوار رئيسية كشخصية تحمل أبعاداً نفسية ودرامية في عمل يركز على قضايا إنسانية معقدة، كما تظهر مهارتها في استغلال وقت الظهور المحدود لنقل الرسالة العاطفية كتعبير عن تنوعها في الأعمال القصيرة، إذ تجمع بين التعبير العاطفي والتركيز الدقيق.
جسدت حسناء مومني دور البطولة في فيلم “404.01” كخطوة جريئة ومختلفة نحو عالم الخيال العلمي، إذ تؤدي شخصية رئيسية في سياق سردي يمزج بين التكنولوجيا والصراعات الإنسانية، كتعبير عن قدرتها على التكيف مع نوع فني جديد، معتمدة على حضور آسر وتعبير دقيق عن المشاعر في إطار غير واقعي، بينما يفتح هذا الدور أبواباً جديدة أمامها، ويُبرز طموحها الفني في استكشاف أنواع سينمائية مبتكرة، عوضاً عن البقاء في القوالب التقليدية.
ممثلة الفرص الجيدة
تتمتع الممثلة المغربية حسناء مومني بطاقة تمثيلية مرنة وقابلة للتمدد، تسمح لها بتشخيص أدوار متنوعة جداً في مجالات فنية مختلفة دون أن تفقد هويتها الخاصة أو تبدو متكلفة. فمن الكوميديا الاجتماعية الخفيفة في أعمال مثل “زنقة السعادة” و”ديرو النية” و”با الحبيب”، إذ تعتمد على خفة الظل والتوقيت الدقيق والتفاعل العفوي مع الشخصيات المحيطة، إلى الدراما النفسية المعقدة في “البراني” بشخصية ليلى المثقلة بصدمات الطفولة والاضطرابات الداخلية، مرورا بالأدوار الدرامية العاطفية في “الدنيا دوارة” و”لا وردة لحنان”، ما يؤكد قدرتها على التنقل بين الأنماط دون أن يبدو انتقالها مصطنعا.
الفنانة تمتلك الموهبة والأدوات لتكون ممثلة متعددة الأبعاد في المسرح والسينما والتلفزيون متنقلة بين الأنماط دون اصطناع
هذه الطاقة تعتمد على تكوينها الأكاديمي في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الذي زودها بأدوات تقنية تساعدها على التحكم في الإيقاع والتعبير الجسدي والنفسي، مما يجعلها قادرة على تقديم أداء مقنع سواء في سياق كوميدي يعتمد على الارتجال أو في سياق درامي يتطلب تراكما عاطفيا عميقا.
وتحتاج هذه الموهبة والطاقة إلى مساحة فنية رئيسية ومخرجين متمكنين من إعداد الممثل لتظهر بكامل قوتها في الأعمال الكوميدية، مع مخرجين يفهمون إيقاع الكوميديا المغربية ضمن إطار واضح، كما يرتبط نجاح أدائها ارتباطا وثيقا بقدرة المخرج على توفير الوقت والتوجيه الدقيق لاستخراج الطبقات الداخلية للشخصية، وهو ما يتطلب مساحة إبداعية أكبر من تلك المتوفرة في الإنتاجات السريعة أو التلفزيونية التقليدية. لماذا؟ لأنها تمتلك الموهبة والأدوات لتكون ممثلة متعددة الأبعاد في المسرح والسينما والتلفزيون، لكن إمكاناتها الكاملة تتجلى فقط عندما يُمنح لها نص قوي ومخرج يعرف كيف يبني الشخصية معها خطوة بخطوة، عوض الاعتماد على أداء سطحي أو نمطي. هذا الشرط يجعلها، في الوقت الحالي أقرب إلى ممثلة الفرص الجيدة التي تتألق حين تُتاح لها الظروف المناسبة.



